الحزن لايكون للأموات، ولكنه لنا، فهو الشعور الذي يتكون أو نخشى أن يتكون حين نتصور الحياة بدونهم، هو ذلك الإحساس الذي نحاول أن نعزي فيه ذواتنا حين نعلم أنهم ذهبوا للأبد.
بينما الدعاء بالرحمة والمغفرة، سواء صاحبه حزن أو بدون، هو الذي لهم ومن حقهم علينا.
فياربِّ ارحم واغفر لهم وأسكنهم جنات النعيم.

حب أو نصيب

وحدة من الصديقات كتبت في برنامج باث للسوشال ميديا ثوته-فكرة (حيث أن البرنامج يعامل الاضافات الجديدة فيه كأفكار) تعبر عن سعادتها بالمتزوجين الذين يحبون بعضهم وتظهر عليهم المشاعر جليّة.
الأمر الذي زاحم الأفكار في عقلي، وجعلني أفكر بالسبب الذي دعاها لهذه الفكرة، وهل هي فكرة شائعة في أن المتزوجين لدينا تخلو حياتهم من الحب والشغف، أو أنهم لايظهرونه للآخرين (يجحدون) أو أنه غير موجود في حياتهم.

برأيي أن الموضوع ليس سوا اختلاف مصطلحات، وهذه المصطلحات تفضّل حياة على أخرى بسبب هالاتها التي تتكون من النظرة العامة لها. لكي أشرح الجملة السابقة بالتفصيل أحتاج أن أعود للبداية من مرحلة البحث عن الشريك، هنالك هالة ضخمة في آلية البحث عن النصف الآخر في المجتمعات الغربية متمثلة بالأفلام، تجسد هذا البحث بأمر شخصي، قد يتخلله تدخل صديقات أو أصدقاء بحكم انفتاح المجتمع بين الجنسين. وهنا تظهر ضخامة أثر هذه الهالة عندما نرى بعض مشاهير السوشال ميديا من مجتمعنا "يفخرون" باختيارهم لشركاء حياتهم. بينما مرحلة وقرار اختيار الشريك فعلياً وعملياً هو أمر بالضرورة يتوقف عند الشريكين بذواتهم.
ففي مجتمعنا وبداخل أطره الدينية وحتى بعض عاداته، تبدأ مرحلة الزواج ببحث الرجل عن شريكة حياته المناسبة، هنالك بعض الذكور يكونون قد بنو اعجاب مسبق عن نساء محددات. وهنالك بعض منهم، من هو في معزل تام عن النساء كما ذكرت سابقاً بسبب انعزال الجنسين في المجتمع، فهو من هذا المنطلق يسأل ذوو الخبره من معارفه والذي غالباً يكونون امه وشقيقاته او من يثق بآرائهن وقدرتهن على إيجاد الشريكة المناسبة له، وهنا تبدأ مرحلة البحث وطرح الخيارات وسبب الاختيار بناء على تناسب المنظور الفكري والشكلي بين الراغب بالزواج والاقتراحات. وهذا بالمصطلحات الوردية هو مايسمى بالـ match maker. أما القدرة على ايجاد الشريك المناسب، فليس بالضرورة خطأ الفكرة، وإنما هو خطأ الأهل في المجتمعات التقليدية والاصدقاء في المجتمعات المتفتحة (فلاننكر الكثير من الأفلام التي تصور محاولات الربط بين اثنين من قبل اخرين من اصدقائهم ولاتنجح محاولاتهم بسبب عدم اتفاقهم).
وبعد القبول المبدئي للمقترح المطروح/ أو الذي تم طرحه من قبل الراغب بالزواج نبدأ مرحلة ثانية فيحدث مايسمى بـ"الشوفة الشرعية" والتي تقابل بالمصطلحات الوردية بـ"first date". طبعاً في الأولى هي محدوده بأن تكون في منزل الفتاة، ولا تشمل وجبة حقيقية، لكنها تشمل الأركان الأساسية، وهي محاولة لبناء تصور بسيط من التعارف الفكري و الشكلي والذي يفترض أن يحدد القبول أو عدم القبول من الجهتين.
هذا القبول في العالم الوردي يترجم في موعد ثان لتعارف أكثر عمقاً، ويترجم في عالم "النصيب" بإقرار الخطبة وإعلانها رسمياً، والبدء بالإجراءات بشكل رسمي، وخلال هذه الأجراءات قد يتم التواصل الهاتفي بين الشخصين لتحديد سلامة القرار المتخذ. وحتى هذه اللحظة لايوجد ارتباط حقيقي يتطلب الغاؤه اثار سلبية على الشخصين، تماماً كما في العالم الوردي فالأمر يغلب عليه اختلاف في المصطلحات ارتبط بهالات وهمية تغلغلت في دواخلنا.

فهنالك النظرة الجميلة والوردية للحب قبل الزواج، والنظرة السيئة لفكرة النصيب التي تمثله بزواج العميان، بينما في الواقع لايحدث النصيب بين اثنين الا في حال رغبتهمها بذلك (وأنا هنا لا أتحدث عن العنف والإجبار والتزويج غير الشرعي الذي قد يقومون به بعض أولياء الأمور من المجتمع بدون وجه حق وإنما أتحدث عن زواجاتنا وزواجات أمهاتنا وآبائنا ومن هم سعيدون بحياتهم حولناوالذي تمت زواجاتهم بهذه الالية التي يتم التسويق لها بالمتخلفة برأي غالبية الجيل الجديد) ونستنتج من ذلك أن النصيب لايحدث إلا بعد الإعجاب المتبادل والقبول المبدئي، وهذا الإعجاب بالضرورة يتحول لاحقاً إلى حب اذا لم يحدث مايعترضه.
تماماً كما في العالم الوردي.

فالحياة الزوجية في مجتمعاتنا سيغلب عليها السواد وسنطير فرحاً حين نرى بعض السعداء بل وقد نتفاجأ حين نرى الأزواج المتحابين اذا استمرينا نصدق بأن النصيب ليس سوى "شختك بختك". ومن خلال طرحي السابق، أتمنى حقاً أن تكون نظرتنا للأمور واقعية، فلست أؤمن بالفكرة الوردية سواء في مجتمعاتنا أو في المجتمعات الغربية، لكني أرفض المقارنة الشرسة التي تتم بين الزواج التقليدي والزواج مسبق التعارف، فكلاهما يحصل من خلالهما النجاح والاستمرارية ونمو الحب أو موته بداية وأخيراً اعتماداً على الشريكين وكيفية تعاملهما معاً ولاشيء غير ذلك.
وكما يقول دريد لحّام: الحياة حلوة بس نفهمها. يجب أن نرى الحياة الحقيقية التي نعيشها والتي هي ليست سوداء كما يروج لها إعلامياً.

حب أو نصيب

بنت أو ولد؟

بالإبهام أعد على تقاطيع أصابعي المرات التي أحمد فيها ربي، خلال الوقت الذي تقوم ممرضتين والدكتورة المناوبة وأخرى لا أعلم ماوظيفتها بشق رحمي واستخراج ابنتي، ومن التفكّر كنت تارة أعي وتارة أحاول إغماض عيني وتذكر العدد الذي وصلت به على أصابعي، إلى أن وقفت إحدى الممرضات على جانبي الأيسر تهنئني بولادتي وتطمئنني على صحة الطفل، لأسألها مالو كانت بنت أو ولد! وأجابتني أنها بنت. وكوني لم أعرف سابقاً جنس الجنين، فقد غمرني شعور المفاجأة اللطيفة والسعادة الغامرة لكوني أصبحت أماً وإلى جانب أني و طفلتي بصحة وعافية. مرّت أربع سنوات وحتى اليوم أتذكر التفاصيل جيداً وكأنها بالأمس. وما أستغربه هو أنّ شعور السعادة هذا يعود إلي من جديد بمجرد التذكر، وهذا يبطل نظريتي السابقة في أن الأحداث هي مايتم استدعاؤها من الذاكرة، بينما المشاعر لايمكن تذكرها وإنما تتجدد وتكون وليدة اللحظة ومصاحبة لاستدعاء الحدث. لكني في كل مرة أتذكر ولادتي السابقة، أتذكر جيداً شعور السعادة المصاحب في تلك اللحظات.

لقد كانت تجربة تأجيل معرفة جنس الطفل لحين وقت ولادته ممتعة جداً ولطيفة كثيراً وجمّلت لي اللحظة أكثر مما هي جميلة، فأدعو كل من ستصبح أماً أن لا تتعرف على جنس مولودها لحين لحظة الولادة، فتلك لحظات لاتفقدها الذاكرة إطلاقاً وعندما ترتبط بلحظة إضافية ممتعة كمفاجأة التعرف على جنس الطفل، فهي بكل تأكيد ستكون أجمل.

بنت أو ولد؟

أن أُحِب، وأن أُحَبّ

أشاهد مسلسلاً على الانترنت، نتفلكس تحديداً، باستخدام اللابتوب الخاص بي، انتهيت الحلقة، واغلقت المتصفح وبقيت لمدة دقائق أتأمل الخلفية. ولتوضيح السبب فقد قمت بتغيير الخلفية ووضعت صورة ابنتي الصغيرة (٤ سنوات) في وضعية استلكاع أمام الكاميرا، وأعتقد في كل مرة أغلق البرامج التي تحجب الخلفية، وتظهر ضحكتها اللطيفة، أذكّر نفسي بضرورة تسجيل هذه اللحظات والوجوه التي تفتعلها خوفاً من أن تضيع في الذاكرة. لطالما احترت كثيراً في نظرتي للحب، لمشاعر الحب تحديداً، ولطالما تساءلت عن الأمر الذي يجعله مميزاً وغريباً ليجعل سائر البشر على مر الأزمان يسعون جاهدين للوصول إليه. ولأكون أكثر دقّة، أنا لم أكن لأتساءل، بل كنت أخجل من هذه المشاعر، واعتقدت أنها مشاعر يجب أن لاتظهر لأي كائن من كان، وكنت اعتقد أنها ليست سوى دلالات ضعف تجعل الشخص في موقف غبي قد يفضي إلى فقدان الكثير من أجل تفاهة. نعم هكذا كنت أراها، مجرد تفاهة تجعل الشخص يرتبط عاطفياً، يثق، يعطي، وحتى يتهور من أجل الآخر وبلا مقابل. نظرتي للحب لم تكن سوداوية، قد تكون نتيجة لمجتمع متهالك ربط بين العهر والعشق والحب بدون احترام للذات الإنسانية، فكل من كان يتحدث أمامي باسم الحب، كنت أربطه تلقائياً في عقلي بالرذيلة.

ومنذ ذلك الوقت وحتى هذا اليوم تغيّر الكثير من آليات تحليلي للأمور، وكان الفاصل المؤثر الكبير هو عندما أصبحت أماً. فكما يقال خلال عملية الولادة، لايُولَدُ الطفل فقط، بل تُولَدُ معه الأم. وُلِدَتْ أم، وولدت معها مشاعر جياشة، جميلة لطيفة ومليئة بالحياة. أيقنت أن هنالك نوعاً من المشاعر التي تعطى بلا مقابل. بلا حتى توقعٌ لفرحة أو أمر جيد ليحدث لي. يحدث أن ابتسم عندما أحدق بشاشة جهازي لمدة دقائق بدون أن أعي ذلك فقط لأني أشاهد ابتسامة ملائكية خلف الشاشة. عندها تحول التفكير في هذه المشاعر من خجل إلى تساؤل عن ماهيتها، ومالذي يجعلها مميزة بهذا الشكل، وأعتقد أني اليوم بعد أن ذكرت نفسي بتجسيد الذكريات بصور أكثر، عرفت السبب، فالحب هو الشعور المسالم الوحيد فكافة المشاعر الأخرى تتطلب رداً مقابلاً، إلا الحب فهو الشعور الذي يعكس مرحلة اتزان ذاتية بين القوى العقلانية والعاطفية. هو ليس شغف، ولا عشق ولاتملّك. وإنما محبة صافية نقية، تحكم بعلاقات مختلفة، قد تكون ارتباطاً فكرياً أو جسدياً أو حتى كلاهما معاً. هي أسمى علاقة إنسانية قد يصلها الانسان. وهي أعظم نعمة يجب أن أمتن لخالقي عليها، أن أحبّ وأن أعلم أني أُحَبّ. 

أن أُحِب، وأن أُحَبّ

عندما يتوقف الزمن

منذ مدة وبشكل متسارع جداً صرت أرى روحي تكبرني أعواماً، رغم ولعي بالفترة الشبابية، لكنّي مع الوقت صرت أفقد الطاقة الدافعة للأمام، ولم يتبق لي سوى روح متهالكة بانتظار نهاية الحياة. بانتظار أن يتوقف الزمن.بحثت مطولاً في الأسباب، حاولت جاهدة معرفة الخطأ الذي أمارسه في هذه الحياة لكي يغمرني شعور اللا انتماء للمكان ولا الزمان الحالي. ولأني سبق أن راودتني هذه الأفكار سابقاً بشكل أحاسيس مراهق لم تتجلى أفكاره بعد، كنت قادرة على تجاوزها، لرغبتي بالتعرف على العالم، كنت لم أره بعد. وأعاد كل ذلك اليوم، هو أنني مازلت بعد ١٥ سنة لم أصل لما كنت أتمنى الوصول له، وربما هذا أحد الأسباب. أو ربما يكون هو الأسباب جميعها.

والسؤال المهم يقع داخل إطار الذي كنت أتمنى الوصول له. ولفترة طويلة لم أكن أعلم حقاً، فكل ماوصلت له اليوم يسعدني حقاً وهو جزء مما كنت أتمناه. 

لكنّي اليوم علمت أني أحاول جاهدة الحصول على مايتمناه لي الآخرين. والاجتهاد في محاولة الوصول لأمنياتهم أجهدتني، خصوصاً أني اليوم يئست من المحاولة حتى، وهذا اليأس بات يأكل من روحي شيئا فشيئاً إلى أن وصلت اليوم إلى روح بائسة تنتظر أن يتوقف بها الزمن.

عندما يتوقف الزمن

هالة الاستقلالية

هنالك قصة قديمة تتحدث عن رجل لايعرف قيادة السيارة، ولكنه يرغب بذلك منذ مدة طويلة ولكنه لايعرف من يعلمه، وأخيراً يقرر أن يتوجه لمركز تعليم القيادة ويقوم بالاختبار، ولأن من يقوم باختباره هو شخص يعلم أنه لم يسبق له التدرب، كان يستمتع بالـ طقطقة عليه، فتارة يحاسبه على البطء، وتارة يحاسبه على السرعة. إلى أن فشل صديقنا المسكين. وظل يفشل ويفشل ويفشل لأنه لم يتلقى التدريب المناسب.

حسناً هذه القصة غير منطقية، وليست قصة قديمة، انما هي قصة اخترعتها للتو -ويظهر ذلك عليها جلياً- لتكون مقدمة لفكرة المرأة الرجالية، وبداية لابد أن أعرفكم بهذه المرأة، هي التي تستطيع تدبير أمورها والقيام بكافة الأعمال الموكلة لها ولزوجها، لايدخل ذلك بالماديات -رغم أنها قد تقوم به- ولكنها لاتهمنا الآن، فكل مايهمنا هو أنها قادرة وتثق بقدرتها بإدارة المنزل بدون التواجد الفعلي لرب المنزل. هي رائعة تقوم بدورها كامرأة فعالة، وبدورها كأم، وكأخت وكابنه، وأيضاً كزوج وكأب. فهي تقوم بكافة الادوار في المجتمع، هي مستمتعة، تعاني قليلاً من الضغط ولكن من منا لايفعل! الأهم أنها سعيدة. 

وهنا نتفق أننا نود صنع المزيد والمزيد من هذا النوع من النساء، لكن السؤال الأهم هو كيف؟ فكثير من النساء يمارس كثير من المهام لكنهن يفتقدن الى القيام بدورهن كنساء، او يفتقدن للسعادة، أو لعناصر أكثر. إذن كيف نصنع امرأة بهذا المقياس المتكامل، الإجابة غالباً: لا نستطيع! لأن هذه المرأة الرجالية هي ذات القائد الذي تارة يحاسب على بطئه وتارة يحاسب على سرعته، فليس بالامكان خلق امرأة قادرة على تحمل المسؤولية طالما لم تتلق التدريب الملائم الذي يجعلها مسؤولة. وكمثال بسيط، أحد مسؤولياتها هي أن تنشئ أفراداً متزنين قادرين على اتخاذ القرار الملائم في الوقت الملائم، بينما هي لم تمكن قط من اتخاذ القرار فيما يخص حياتها. فعندما هي تعزم على اتخاذ قرار ما، لابد أن تستشير العديد من الاخرين الذين يرتبط هذا القرار بموافقتهم لتقوم باقراره، فكأنما هي تدير إدارة تابعة لجهة حكومية، فعندما تقرر تعديل سياسة ما، لابد أن ترفع خطاباً للجهة الأعلى ومنها للأعلى حتى تتم الموافقة او الرفض ولكن بالنسبة لهذه المرأة فالسياسة تخصها وحدها لكن إدارات كثر لابد أن تقر بالموافقة قبل أن تحصل. 

 فالمعادلة الحقيقية لخلق القدرة على تحمل المسؤولية هي خلق القدرة على اتخاذ القرار وعلى تحمل تبعات هذا القرار، وهذا يبنى على تمكين الاختيار، الذي هو غير مفعّل حالياً سوى بمجالات ضيقة ومحصورة جداً. إذن، وفي ظل هذه المعطيات، يجب علينا تجريد هالة الاستقلالية، التي أصبحت شكلاً جمالياً يطلبه الرجال قبل النساء لدينا، والتي هي مستحيلة الوصول.

هالة الاستقلالية

خاطرة

التقيت منذ فترة بالمصادفة فتاة كنت أعرفها منذ مايقارب العشر سنوات، وكانت مفعمة بالحيوية والنشاط والأمل والاندفاع، وكنت أعرف عن أنها تشبه أمها كثيراًبهذه الصفات، فبالرغم من عمر أمها إلا أنها كانت عضو فعال في جهات خيرية، إلى جانب أنها تملك مشغلاً خاصاً أسسته بجهود فردية، وعانت كثيراً حتى تمكنت من إدارته. وكما ذكرت فصديقتي ورثت عن أمها -كما كنت أعتقد- كل هذه الصفات، إضافة لكونها في عمر الشباب! فلكم أن تتخيلوا كيف كنت أتخيل مستقبلها. 

عندما قابلتها، كانت تمارس الحياة بصعوبة، نظرتها تغلبها السلبية، هي مازالت مليئة بالحياة ولكن ليست نفس الحياة التي نضجت عليها، وكأنها انجرفت مع المجتمع المشوه، أفكارها تنحصر بمطعم جديد لايجب أن يفوتها، أو أمور استهلاكية تستعرضها للآخرين، لا أقلل من شأن ذلك، ولكني تفاجأت لأن شمعتها في تفاصيل الحياة العميقة قد انطفأت، أين حماسها للعمل، وأين حماسها للأعمال الخيرية والتطوع، وأين طاقاتها وأفكارها الايجابية، علمت من صديقة أخرى أنها أنجبت  بنتاً وولداً، ولديهما مربيتان وهي حالياً من “المشاهير” الذين يتم التواصل معهم للإعلان. وأن زوجها وصلها لهذه المكانة فزوجها أيضاً من هؤلاء المشاهير الذين يتمتعون إلى حد ما بالسطحية الفكرية. 

استأت لما وصلت له، فكانت من القلة الذين تحمست لمشاهدتهم مستقبلاً، ولم أتخيل في ظل أمها الرائعة أن تتحول لشخص كل اهتمامه، ماذا لبست وأين آكل! لكنّها جعلتني أتساءل، عن العوامل التي غيرتها، والتي ربما هي زوجها، ولكني لا أعلم أي شيء عنها فلا أستطيع التحليل بناء على توقعات. إلا أنها جعلتني أتفكر بنفسي وبمن حولي، فالزواج هو انتقال فكري، عاطفي وروحي، فهل فعلاً جعلني أتغير؟ وهل هذا التغير إيجابي، أنا لا أتحدث عن أثر الزوج على زوجته، أو العكس، إنما عن تغير في الحياة، ربما يكون زواجاً، وربما انتقال أو غربة.. أياً كانت الحياة الجديدة، هل قامت بتغييرك؟ وهل هو ملحوظ عليك؟ 

من الجميل أن نلتقي أصدقاء قدامى، ونتفكر في أنفسنا وفيهم، لنرى كيف تغيرنا، وإلى أين صار اتجاهنا، ونتذكر معهم أين كنّا.

خاطرة

سابرينا وباب التشجيع

أيام كنت بالمتوسط، كان فيه مسلسل أجنبي يستهدف المراهقات، اسمه: الساحرة سابرينا، وهي بنت في المرحلة الثانوية، نشأت في عائلة تجيد السحر، البرنامج كوميدي، يتناول حياة المراهقة في ظل قوانين السحر التي تملكها، إحدى الحلقات، كانت تتضمن باباً سحرياً، وهذا الباب يستخدم فقط في حالة الاكتئاب أو فقدان الشعور بالثقة، وعندما يفتح الباب يكون الشخص وكأنه أمام خشبة مسرح مليء بالجماهير الذين يهتفون باسم الشخص ويصفقون له تصفيقاً حاراً ويحيونه. وكان هنالك قوانين صارمة لاستخدام الباب، ولكن سابرينا، اصبحت تستخدمه كثيراً، وانتهت الحلقة في البحث عن حلول لتخلصها من هذا الادمان للحاجة للتشجيع.

يذكرني هذا الباب بوضع السوشال ميديا، فالوضع الطبيعي هو أن يتقابل الناس كل اسبوع أو كل يوم حتى ويمتدحون بعضهم عندما يوجد مايحقق الثناء، ولكن من خلال السوشال ميديا، يكون الشخص قد شارك افكاراً / صوراً / فديوات عديدة خلال اليوم الواحد مما يجعل مجموعة لابأس بها تحييه وتثني عليه، وخلال الوقت يتغذى هو على هذه التعليقات وتجعله يحدد مكانته تجاه ذاته. قد تكون هنالك نظرة أخرى مختلفة، وهي أن استخدام هذه البرامج للتوثيق وجمع الذكريات، وهنا أطرح فكرة التدوين غير المنشور، التوثيق لا المشاركة، وعند ممارسة للتدوين/التوثيق الفعلي سيكون الوضع إلى حد ما مملاً وليس بالعائد الايجابي السابق، ولذا فإن جزءاً كبيراً من التوثيق هو رغبة بالمشاركة، ورغبة بسماع الثناء/ النقد الايجابي، او حتى النقد السلبي ومواجهة الاخرين، وهذه الرغبة تخلق تعلق بالأشياء والبرامج والأفعال، تعلق بباب سحري، يزيد من ثقتك بذاتك. كما كان الباب لسابرينا نوع من الادمان والتعلق غير الصحي، هو أيضاً هنا تعلق غير صحي يحكمه هذا السؤال: هل لديك القدرة الآن على حذف أكثر الحسابات الشخصية الخاصة بك و التي تمدك بالسعادة؟ إذا كنت متأكداً من إجابتك بالايجاب، فأنت على ثقة عالية من ذاتك، وإن صعب عليك الأمر فتذكر أنه مجرد برنامج سيأتي غيره لاحقاً كما أتى هو وتعلقنا به جميعاً. 

هل يعني هذا أن التعلق أمر غير صحي؟ لا. ولكن من الجهة الأخرى فالانسان كائن اجتماعي، وفطرته مبنية على التواجد مع الاخرين وليست على الوحدة، فالتعلق بالاخرين من الناس هو فطرة انسانية  فالانسان يتعلق بأبنائه وبناته وأمه وأبيه، واخوته واصدقائه كلن بدرجة مختلفة وبقرب مختلف.

سابرينا وباب التشجيع