تاج من ورق

الشهر الماضي بنتي ظلت تقول لي إنها أميرة، ولأن من أحد أمانيي الطفولية إنه يكون عندي تاج صرت أبحث عن تيجان للأم والبنت في البنترست، وأغلب اللي حصلتهم كانوا أعمال يدوية، فقررت إنّي أسويهم بيدي وتساعدني فيهم بنتي، ومرت الأيام ولهيت.. لمّا الاسبوع الماضي ذكرتني بنتي اننا قررنا نسوي تاج ونصير ملكة وأميرة، فلحظتها رحت جبت ورق عادي ولونا التاج وقصيناه .. كان مضحك جداً وبسيط جداً لدرجة انه غير متساوي الجهتين، ونظراً لأن بنتي عمرها سنتين غلفنا التاج بورق تغليف شفاف للحماية، وعشان يظل أطول وقت ممكن بشكل سليم. بنتي كانت جداً جداً جداً سعيدة بالتاج. وأنا لا أخفي سعادتي أيضاً بسعادتها.. 
هذي عبارة عن مقدمة راح أتكلم فيها بالتيجان الوهمية اللي حتى مو من ورق يُخيّل لنا المجتمع حصولنا عليها كأمهات وبنات ونساء. المجتمع ومنذ مدة طويلة يبني مسالك وهمية للمرأة الناجحة، بأنها رائدة أعمال، أو تعمل بنجاح وعندها راتب وعندها أسرة وخدم وبيت كبير واجتماعية واوبن مايند (واللي يعني غالباً إنها تمشي مع ترند المجتمع) لما تزوجت كانت هذي نظرتي، وكنت أخاف أستقيل حتى لا أواجه الفشل وأصير ربة منزل عالة على المجتمع، وكنت أخاف أصير أم بدون خادمة حتى لا أصير من الصنف الفاشل، كنت أعرف عن الأمومة انها ارتباط وطفل مزعج، كنت أعرف عن الحمل انه تعب والولادة ومابعدها ألم والتربية من مهام المدرسة. لين جا الوقت اللي صُدِمت بإحدى صديقاتي اللي كنت أصنفهم من الناجحات، ولقيتها ربة منزل، هنا بديت أتأمل وأتفكر بمفاهيمي، البنت كانت نابغة وذكية، ومقابل ذلك عندها الاستعداد الكامل انها تتخلى عن أي وظيفة لقاء انها تجلس مع بنتها. وفعلاً كانت رافضة وظيفة رائعة لأن بنتها صغيرة! هنا تغيرت نظرتي لكثير من الأمور، وبديت أُبْصِر. 
صرت أعرف إن العمل مجرد وسيلة لكسب العيش وليس حياة كما كنت أظن، وأن ممارسة الهوايات هو الحياة الحقيقة، وكـ أم صرت أعرف أن عمر الطفل مايرجع، وإنهم إذا كبروا بكرا وانفصلوا عنا بنتمنى نرجع الأيام ونمارس تفاصيل حياتنا معهم، صرت أعرف إن البيت هو المدرسة وهو التربية وهو الأصل، صرت أعرف إن أنماط المجتمع وتصنيفات النجاح مجرد أوهام وأن النجاح الحقيقي ينبثق من الروح والعقل. 

ما أصبحت عليه الان ليس هو الصواب وغيره خطأ، هذي حياة، و في الحياة لايوجد صواب ولا خطأ، وكل ماهنالك حياة ترتاح معها وتعتقد أنها تناسبك وتلائمك وتعيش فيها كل لحظاتك بتفاصيلها وتعلم أنه مهما حصل لن تقول يوماً: ياليتني أستعيد ذلك الوقت لأفعل كذا وكذا.. الوقت لايرجع مطلقاً والحياة تمر سريعاً فاختاروا الطريق الذي يسعدكم متغاضين الهالة التي يخلقها المجتمع على أوهام خيالية تصف الناجح وتقول قلّدوه عشان تنجحون. 

 الطريق الصائب هو الذي يجعل السعادة تنبثق من داخلكم لا من نظرة الآخرين لكم. فاصنعوا تيجانكم حتى لو كانت من ورق.

تاج من ورق

2 thoughts on “تاج من ورق

  1. وهذه الفكرة في بالي من زمان ، الأم لا تحتاج مهمات اضافية لتثبت نجاحها وياليت كل الأمهات متميزات مثلك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.