الرحّالة

شاهدت هذا الفلم مصادفة وأنا أبحث عن المتعة الروحية، فقد كنت أقلّب قنوات التلفاز لأبحث عن فلم مناسب ومازال في بداية عرضه لأتابعه متجاهلة ما ينتظرني من أشغال، وأحدثنفسي بأن العمل لاينتهي بينما تنتهي الحياة. ووقع اختياري على فلم Tracks هذا الفلم الاسترالي المنتج عام ٢٠١٣ والذي تم بناؤه على قصة حقيقية للكاتبة روبن ديفيدسون وهي فتاة شابة، عبرت صحراء غرب استراليا   وبالتحديد (١٧٠٠ ميل) مع ٤ جمال وكلب فقط  على قدميها، وبمعزل عن كل شيء، بدون أي نية للكتابة عن الرحلة، ولكن تم الاتفاق مع ناشونال جيوقرافك لتكتب مقالاً لديهم وتم زيارتها خلال رحلتها ثلاث مرات من قبل مصوّر ليلتقط لها صوراً ترافق المقال. كانت الرحلة عام ١٩٧٧، وتم نشر المقال عام ١٩٧٨، وبعد ذلك قررت الكاتبة نشر تفاصيل الرحلة عبر كتاب يحمل الاسم نفسه Tracks. مثلت دور الكاتبة الممثلة Mia Wasikowasa ودور المصور Adem Driver وقام بإخراج الفلم John Curran.

حديثي بصراحة الأمر ليس عن الفلم بحد ذاته، وإنما حين قرأت عند معرّف أحدهم بشبكات التواصل الاجتماعي أنه يسمّي نفسه: (رحّالة) وهو الأمر الذي ذكرني بالفلم وجعلني أقارن بين البطلة والشخص المذكور، فعندما نرجع لمعنى كلمة رحّالة، فهو الشخص كثير الترحال والتنقل وقد يكون حتى عديم الاستقرار أو حتى لايعلم أين سيستقر في حال استقر. وهذا يختلف كثيراًعن فكرة السفر، وباعتقادي الاختلاف بينهما أن السفر هو تغيير المكان مع نفس عناصر المعيشة، بينما الترحال هو تغيير عناصر المعيشة، وكمثال رحلة ديفيدسون تعطيها لقب رحّالة بكل سهولة، بينما شخص يسافر بالطائرة لدولة أخرى ويعيش في نُزُل عالي المستوى أم متدني ويأكل من خلال ماهو متوفر في ذلك البلد هو شخص مسافرولديه فضول وليس رحّالة.  ونذكر من الرحالة القدماء ابن بطوطة، فهو أضاف للتاريخ وللأدب بسبب رحلاته، وأيضاً هنالك الإدريسي الذي استطاع تحويل رحلاته إلى خرائط، وهذا إلى بجانب كونه عالم في الطب والهندسة والفلك. وجميعهم يشتركون برحلاتهم التي استمرت اعواماً بدون أي استقرار. 

لا أحب تكسير المجاديف، لكن التعريفات ذا المعاني الكبيرة تؤرقني جداً، وأتعجب حين يعرف بها الأشخاص أنفسهم بكل بساطة، فهنالك من يقول عن نفسه أنه رحالة، بينما هو يسافر ويخوض المغامرات خلال وقت محدد ومخطط له ومجدول ويعود بعدها لبيته واستقراره ومجدداً يكرر السفر لوجهات جديدة عليه وليست جديدة على الانسانية.. وهنالك الأقل درجة والذي يعرف بنفسه  “محب للسفر”، و في عصرنا الذي تسهلت فيه جداً جداً طرق الحصول على المعلومة سأقول له: ياعزيزي ومن لايحب السفر والاستكشاف وتغيير الجو؟ وكلٌّ حسب طبيعته، قد يرى ترفيهه في أوتيلات الخمس نجوم والمقاهي الفاخرة، أو قد يرى  نفسه في الاندماج والتعرف على الثقافات،  كل مايفعله هنا هو “تغيير جو” بالطريقة التي تعجبه وهذا بكل تأكيد لايجعله رحالة. وأخيراً فالعبارة المناسبة التي أراها تصلح لأن يعرف صديقنا بها عن نفسه هي أن يكتب: “كثير السفر”. 

الرحّالة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.