الذكرى جميلة

خلال المرحلة الثانوية وبالتحديد الأول ثانوي الفصل الدراسي الثاني، كنت طالبة في أولى/ أول، وكان فصلي يحتوي ٤٤ طالبة لدرجة أنني كنت الـ ريما الثالثة في ذلك الصف! كنا نجلس ثلاث طالبات في طاولتين من شدة الازدحام، استأت بداية لكني تأقلمت لاحقاً، بل وأحببت الاكتظاظ لأول مرة في حياتي والتي أيضاً كانت الأخيرة. بالحصة السابعة كان لدينا درس لغة عربية، ومعلمتنا الأستاذة نورة كان لها فلسفة عدم إلقاء درس جديد في حصة متأخرة، فكانت تنعشنا بألعاب فكرية وتساؤلات تنمي تفكيرنا، وكان ذلك اليوم حين سألت كل منّا عن أمنية، فكان من يصل لها الدور تقف وتذكر امنيتها بإيجاز يصل لكلمة واحدة وتجلس، أحياناً تثير الأمنية استفسار لدى أستاذة نورة، وأحياناً أخرى لاتفعل. حدث أن ذكرت إحدى الطالبات أمنية فسرت رغبتها بها بأنها تحمل معها ذكرى جميلة. فعلقت أستاذة نورة: “الذكريات كلها جميلة”. عندها رفعت يدي، أو أنني لم أفعل فكان لديها قدرة قراءة الأعين حتى بوجود ٨٨ عيناً! سألتني عن التعليق الذي أود طرحه، فقلت: “ليست كل الذكريات جميلة، هنالك ذكريات لانود استذكارها من سوئها فهي لم تكن لحظتها جميلة وليست بتذكرها جميلة”، كان ردها:”ريما، الذكرى دائماً جميلة، قد تكون محزنة لكنها اظل جميلة”.

الآن يا أستاذة نورة أعتقد أنني بتّ أفهم ماتعنين، لا أعلم مالذي تغير، ربما أنا الآن ناضجة كفاية لأفهم الحياة وأعلم أن الذكرى لاتكون إلى ذكرى إلا بعد أن تصبح جزءًا من الماضي، فالسوء الذي يصاحب الذكريات الذي كنت أراه، هو تعلق بالماضي ليصير بلا استقرار بين الماضي والحاضر وبسبب عدم استقراره فإنه يصاحبه إحساس بالسوء والقهر بل حتى الغضب. بمجرد إفلاته ينتقل إلى الماضي، وتصبح ذكراه جميلة، حزينة أحياناً لكنها جميلة. 

الذكرى جميلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.