أنا في بريطانيا

“أنا في بريطانيا دولة مستقلة، نمشي علي قدمين، نشتاق إلى أوجاع احتلالها ونهفو إلى المعركة من جديد، لست سعيدا لأني بعيد عن صدى آهات المعذبين لأني احمل آهاتهم في دمي، فالوطن الذي أخرجني منه لم يستطع أن يخرج مني ولا أحب أن أخرجه ولن أخرجه.” 

– أحمد مطر.

على الرغم من محبتي لأحمد مطر، إلا أنّي أرى ضعفاً في كل من يكتب عن تخاذل العرب ويعيش في دول غربية أبعد ما تكون عن العرب.  أتفهم كثيراً جرأة الطرح لديه وغيره التي جعلتهم يُطردون من ديارهم، ولا أستنكر هنا عدم بقائهم، لكنّي استنكر كثيراً لجوءهم للغرب. فماذا تركوا للمتخاذلين؟ 

نزار قباني، محمود درويش، جبران خليل جبران، ايليا أبو ماضي، وغيرهم الكثير من الشعراء الذين يفيض شعرهم عروبة وكلماتهم قوة وجمالاً إلا أنه مزعج، أن يحوي أدبهم فراغاً وتناقضاً غير مفهوم، فالتناقض الحاصل – من دعوة للنضال – بنظري يشبه كثيراً بعض المشايخ لدينا الذين ظلوا لفترة طويلة قبل أن تتأزم المواقف يدعون الشباب للجهاد ولايجاهدون، فأكبر الكتاب والشعراء العرب يدّعون العروبة ويدّعون الانتماء ويدْعون للنضال وعدم الاستسلام ويتحاملون على الحكام العرب وهم أول المستسلمين والذين وجدوا الراحة والاستقرار في بريطانيا، فرنسا، وأمريكا.

الحقيقة أنّي استأت كثيراً وزعلت لأنّي صدقت كلماتهم وحبيتها وكانت في يوم مّا محفز لي لأنتمي. دعوني لا أضخم الأمر، فأنا لم أنتمي وأصنف نفسي عربية وأفخر بهذا التصنيف إلا بعد أن تقطعت بي طرق الاستسلام والانتقال للحياة الأريح، ففلسفتي كانت أن الحياة واحدة وقصيرة، فليش نضيعها بتهيئة الحياة للآخرين من بعدنا؟ نعيش وهم يعيشون. ونعيش يعني نختار المكان الميسر والمسهّل للحياة. لكني لم أكن قادرة على تطبيق هذه الفلسفة مما ربطني بالمكان، وأجبرني على الانتماء. صرت أحب المكان، صرت أبحث عن المكان الميسر داخل أطر الانتماء. أحببت الانتماء كثيراً، وهذا السبب بالذات جعلني أتفكر ممن ينتمون وقد تجردوا من المكان كلياً! كيف لهم أن يفعلوا ذلك؟ وكيف لهم بعد ذلك أن يتحدثوا باسم المكان. كيف لهم أن يقرؤوا ويعالجوا حتى إصابات المكان من الأعلى؟ مخزي ومخجل ومزعج أنّي صدّقتهم في الوقت الذي لم يصدقوا فيه مع أنفسهم.

أنا في بريطانيا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.