قرار منع التحدث بالعربية

في أواخر يوليو من عام 1500 م ذهبت الملكة إيزابيلا إلى غرناطة لمتابعة عمليات التنصير والإشراف عليها. ووقعت الدولة مع جميع قرى ومدن مملكة غرناطة مراسيم تجبر الأهالي فيها على التنصير مقابل معاملتهم ماليَّا مثل معاملة النصارى القدامى وفي نفس هذه المواثيق يمنع النصارى الجدد من ذبح الحيوانات على الطريقة الإسلامية ومن أن يلبس رجالهم أو نساؤهم اللباس الإسلامي، وأجبروا على تغيير أسمائهم الإسلامية وحتى تقاليدهم وعاداتهم بعادات وتقاليد نصرانية. ولم تنته سنة 1500 م حتى عم التنصير جميع أنحاء مملكة غرناطة القديمة من رندة إلى المرية مرورًا بوادي آش وبسطة والبشرات. وتتابعت في نفس السنة المراسيم بمنع استعمال اللغة العربية. وصدر قرار في سبتمبر يمنع”المتنصرين الجدد” من حمل السلاح وامتلاكه، وينص على معاقبة المخالفين لأول مرة بالحبس والمصادرة ولثاني مرة بالإعدام.

تم الحكم بالإعدام لمن يكرر المخالفة، وتضمن هذه المخالفات الحديث باللغة العربية! 

-١-

حين تحمل قطعة فنية هُوية عربية، أكثر من الأشخاص. خلال شهر اكتوبر شاهدت بنت سعودية تحاور بنت سعودية تخبرها عن أعمالها الفنية المستمدة من التراث العربي/ السعودي، باللغة الانجليزية، ولكي يكون الحديث لطيفاً تضيف عدداً من الكلمات العربية، مثل: يعني، شي زي كذا. لست ضد استخدام اللغة الانجليزية في بعض المصطلحات التي تم دراستها خلال التخصص العلمي والتي قد يختلف معناها بالترجمة بسبب عدم اعتماد كلمات مرادفة، لكني ضد أن يتم “التواصل” معي بلغة لا أعتبرها سوى وسيلة اتصال مع من لايستطيع الحديث بالعربية.
-٢-

قبل شهر كنت أبحث عن مدرسة رياض أطفال تناسب ابنتي ذات الثلاث سنوات بدون أي معايير دقيقة، وبعد فرز عدد ١٥ روضة في الحي الذي أسكنه والأحياء القريبة، بدأت التواصل معهم، والنتيجة واحدة كانت حكومية رفضت قبولها بسبب الازدحام ولم نتطرق للمناهج، واحدة ذكرت اعتمادها على القاعدة النورانية بالتعليم، وهي دورة تدريبية لتعليم اللغة العربية بالتدريج للأطفال مابين ٣-٧ سنوات وربطها بالطريقة الصحيحة لقراءة القرآن بالتجويد الصحيح. والبقية كانوا يفخرون بتعليم الطفل اللغة الانجليزية، بل حتى أن الغالب منهم معتمدين مناهجهم المتبقية باللغة الانجليزية. 

وأعود بالذاكرة إلى سبع سنوات للخلف، في الوقت الذي ناقشت فيه خالي (مدرس للمرحلة الابتدائية) والذي كان يرفض رفضاً تاماً إدخال اللغة الانجليزية على الصفوف الدنيا، ويبرر ذلك بصعوبة الاستقرار اللغوي الذي سيصاب به الطفل خلال المراحل الأولى من دراسته، ولا أعلم ما إذا كان رأيه مبنياً على أسس علمية أو مجرد ملاحظة للطلاب،   فكنت أعارضه بشدة، وذلك لأنّي كنت أرى الشخص يتقدم ويتأخر بناء على انفتاحه وتواصله مع العالم، ولم أزل أؤمن بذلك، لكن الذي تغير بالنسبة لي هو ترتيب الأولويات، فبتّ أفهم اليوم أن اكتساب لغة العصر لايجب أن يطغى على لغة الهُوية التي مع أمور أخرى تشكل شخصك وماضيك ومستقبلك.

-٣-

قبل عدة أشهر وفي دبي، كان الوقت يصادف مهرجانات الصيف في أرجاء الإمارات، وكانت من اللفتات اللطيفة، انتشار ألعاب تناب عمر ابنتي في ساحات الأسواق التجارية، فكنت أجالسها وتلعب هي مع غيرها من الأطفال، لكن الحوار كان عسيراً جداً عليها، فالجميع يتحدث الانجليزية. واليوم تكرر المشهد مجدداً، في الرياض، بأحد المعارض المؤقتة التي تستهدف أنشطة الأطفال، فكان الجميع يحاورونها بالانجليزية وهي لاتعي مايقولون، فكل المفردات التي تعرفها هي: door, let’s go, friends, book, apple, وغيرها من الكلمات البدائية جداً والتي تتناسب مع عمرها، وفي المقابل هي تحمل حصيلة لغوية من الكلمات الفصيحة مايتجاوز معرفتي حتى! تجاوز الوضع الآن التفكر بالهوية، والاستياء من الانسلاخ من اللغة إلى محاولة التوصل إلى قرار. هل سيسيء لها ذلك مستقبلاً؟ أنا مازلت مؤمنة أنه لابد وأن يكون للإنسان لغتة أم، أو مايعرف بالـ Native Language، وباعتقادي هي ليست لغة البلد، وإنما اللغة التي يكتسبها الطفل بشكل أساسي حتى عمر ٧-١٠ سنوات، بعدها أي لغة تضاف عليه يعتبرها عقله ثقافة عامة وليست لغة أساسية. 

-٤-

أيضاً اليوم، أم-أم هي أخت لم انتبه- تشابهني تماماً بالزي والحديث والكلام، تحاورنا قليلاً حيث كنا نجلس جوار بعضنا البعض، إلى أن أتى طفلها، حتى أصبح يبكي ويعبر عن ألمه الذي أصابه بعد أن سقط، وحديثه كان بالانجليزية العامية حتى! وفوجئت كيف أنها تحاوره بالانجليزية. لم أتدخل ولم أنتقد تصرفاتها ومازلت أحاول ألا أحكم عليها، لكن ماحدث هو أنّي فوجئت! كيف تنشئ شخصاً لايستطيع أن يعي مجتمعه، عندها صُدمت من أفكاري، فلربما أنا التي أنشيء طفلة لن تعي مجتمعها. محزن جداً ماوصلت إليه، استأت كثيراً، حتى أنني أردت حقاً الهروب من المكان. فأنا لم أعد أتشارك مع هذا المجتمع حتى لغته. تذكرت القشتالة، والموريسكيين المضطهدين في غرناطة، تذكرت محاولتهم على التمسك بالعربية رغب منعها والحكم بالإعدام على من تتكرر مخالفته ويتحدث بها. 

مالذي حدث لنا؟ لمَ انسلخنا من أنفسنا؟ لمَ صرنا استنساخات مشوهة لاتحمل أي روح، وليس لها أي هوية؟ لست ضد الانسلاخ، لكنّي ضد التشوه. لا ألقي اللوم على كل من تخلى وهاجر إلى عالم آخر وتعلم موروثاته ولغاته وأصبح جزءاً من كيانه، لكني ألوم كل أم تربي أبناءها على التجرد، ألومها على أن جعلتني أفكر في أن ابنتي قد لاتندمج في المجتمع الذي هي كما هي أحد أسسه المتينة. 

كان مثيراً للعجب مايتحول له مجتمعنا، وبات اليوم محزناً

قرار منع التحدث بالعربية

2 thoughts on “قرار منع التحدث بالعربية

  1. Rasha says:

    الغريب ياريما إن إنت نفسك بحسابك في تويتر كنت تتكلمي وتردي بالانجليزي مع حسابات أخرى عربية بعض الأحيان.

    1. ريما says:

      أهلاً رشا،
      الصراحة لا أذكر أني كنت أتحدث الانجليزية بنسبة عالية، حتى أني أكاد أن أجزم أن تويتاتي الانجليزية لاتصل إلى ٥٪‏ من كافة ما كنت أكتب، وكما ذكرت في التدوينة رفضي ليس باستخدام لغة أخرى، فالانجليزية لغة العصر، ولانستطيع منع ذلك، فكثير من المصطلحات لايتم فهمها وإدراكها بشكل واضح عندما يتم ترمجتها وذلك لتقصير مجمع اللغة في المزامنة، مثلاً البراندنق والإيسام والهوية التجارية وغيرها من المصطلحات العربية المقابلة التي قد تكون غير واضحة لمتلقي الحديث، فشخصياً أفضل استخدام الكلمات الأصلية ليتم إيصال المعنى. ولكن اعتراضي واستيائي هو من ممارستها بالحديث اليومي بين الأم وأطفالها، وبين الصديقات والأصدقاء. بحيث تصبح هي اللغة الأم وتندثر العربية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.