الحاجة للبقاء

هل فعلاً هنالك حاجة داخل الانسان للبقاء؟ منذ أدركت الحياة وأنا بانتظار أن أرحل، كل متعتي لحظية، وكل يوم يمر، صار يذكرني بأنّي لا أنتمي، كل يوم صار يقلل رغبتي بالبقاء، هنالك الكثير جداً من الأمور التي تزرع في روحي البهجة، والتي أخجل من الاعتراف بها، كأن أرسم، أو استمع إلى صوت شجي حتى وإن لم أكن أفهم أية كلمة، من أجمل الأوقات التي قضيتها في دبي كان قبل ثلاث سنوات كنت وحدي أتفرج السينما التجريبية في الهواء الطلق وكان العرض لفلم the butler ، في وقت مشابه لهذا الوقت. ومثله قبل أسابيع قليلة في الرياض، عرض بيتشا كوتشا الذي تم تخصيصه عن الموسيقى. أعتقد أن أفضل اللحظات هي التي أنفصل فيها عن تقييم ذاتي وانتقاد الآخرين، هي التي أستلذ بها بالسعادة الحقيقية.

كما يعرف الجميع، في الرياض تقتصر وسائل الترفيه المتاحة طوال السنة على الأكل، هنالك المعارض والفعاليات الفنية والأمور التي تستهويني، لكنها لاتكون متاحة دوماً. أن تعيش في الرياض يعني أن تعيش في سجن كبير، وهذا السجن إما أن يكون بيتك في حال كنت تكره زحمة المواصلات (فلامجال للمشي اطلاقاً) أو يكون بيتك بالاضافة لعدد من البيوت الصديقة. والمشكلة في المدينة لاترجع فقط للجمادات، حتى الأشخاص تراهم يتصرفون بشخصيات مختلفة عن تصرفاتهم خارج الرياض. غالباً ما يكونون حقيقيين أكثر. وليس تصرفاتهم فقط بل لديهم القدرة على تعديل الآلية التي يتم فيها بناء أفكارهم، فبمجرد دخول الرياض، حتى يتحول كل شخص للوصي المسؤول عن الآخر الذي يرى أنه له الحق أن يقرر ويتصرف وينتقد أدق التفاصيل للآخرين، فالعازب لابد أن يتزوج والمتزوجة لابد أن تنجب والأم لابد أن تشكل فريق كرة من الأبناء، ومن لايعمل لابد أن يعمل ومن يعمل لابد أن يجد عملا أفضل. فلامجال للشخص للتفكر في حياته، طريقه مرسوم بين أيدي الآخرين، فمثلاً مما واجهته كثيرً خلال تربيتي لابنتي ذات الثلاث سنوات، هو انتقاد العديد من الأوصياء لي حين أسمح لها بتناول الشبس أو الحلويات الملونة ادعاء أنه أكل غير صحي أو نظيف أو….الخ . وبالمقابل، نجدهم يستمتعون بل ويفخرون حتى بزياراتهم لمطاعمهم المفضلة في حين يعلمون انعدام مستوى النظافة في مدينة الرياض مقارنة بغيرها من المدن! حتى أني بنفسي وجدت شعراً في أكلٍ طلبته من مطعم Eataly المفتتح مؤخراً. فأين مستوى الصحة والنظافة؟ أم أنه معيار يتم تخصيصه حسب الاحتياج؟ هذا كله بالإضافة لتحاملي على هذه المدينة الكريهة وماتحمله من نفاق وحياة مبتذلة، سطحية وكريهة لأبعد الحدود.

أشعر فعلاً بالتعاسة، وحتى مع سخافة الأسباب التي تشعرني بالتعاسة، إلا أنّي لم أستطع الخروج منها. بل إنّي أراها تلتهمني يوماً بعد يوم، فقد بدأ كل هذا بالصدمة، ثم محاولة التغيير، ومحاولة التعايش، وأخيراً اليوم انتظار الرحيل، لا أنكر تخلل ذلك كله لحظات سعادة لاتطول، وماتلبث أن تقتل بكلمة أو عبارة أو حتى تصرف. فأين حاجة البقاء في كل ذاك؟

الحاجة للبقاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.