أنا لا أملك أن أختار

فستاني الأبيض النفّاش، لبسته يوم كنّا متجهين لاجتماع عائلي كبير، كنت بالصف الثالث أو الرابع الابتدائي، وكانت أحد الأمور الرائعة التي كبرت معي، هو أنّ أمي اعتادت أن تترك لي حرية الاختيار بكل شيء ولقد نبهتني أنه سوف يصعب علي اللعب بالفستان، لكنّي اخترت أن ألبسه فلم تمنعني. وفعلاً لم يكن اختياراً مناسباً، حتى أنه تمزق كما أذكر، فكان ذلك الاجتماع آخر محطة للفستان. لكن الأمر الايجابي، هو أنّي مازلت أتذكر حتى هذا اليوم متعتي بارتدائه، لذا في كل مرة تطلب ابنتي أن تلبس لبساً محدداً، لا أعارض على الاطلاق، أذكرها فقط بماهو مناسب وأترك لها حرية الاختيار بالنهاية. ولايقتصر ذلك على اللبس، بل يتعداه للأكل وممارسة الألعاب والقنوات المفضلة… 

يكبر الطفل بالعمر وتكثر الاختيارات ويكبر حجمها وأيضاً يحدث أن تتعرض لعوامل ضغط أخرى بسبب المسؤوليات وأمور أخرى، فاختيارات الشاب لا تكون كاختيارات الطفل، ولا تكون كاختيارات الشخص الذي وصل عمر النضج. لكن الوضع بالنسبة للشابة يختلف كما نعلم عن الشاب، فاختيارات الشابة لا تتأثر بالضغوطات وحسب، وإنما لاتنمو بالحجم ذاته فهي تقارب إلى حد ما اختيارات الطفل بتوسع بسيط.

مما أثار كل هذا بداخلي، هو هاشتاق  في تويتر، و كنت قد اعتزلت تويتر لهذه الأسباب تقريباً، فهو لم يعد منصة إيصال صوت كما كان سابقاً، بل أصبح منصة لتصفية الحسابات. ومن وكان رداً على تقرير الـ CNN للثلاث نساء اللاتي تحدثن عن هجرتهن إلى أمريكا، وبالمناسبة استأت كثيراً منه، وكل ما رأيته هو أنهن قمن ببيع هويتهن الحقيقية (والهوية غالباً تتشكل مع الزمن بتجانس بين الدين والوطن والذكريات، والذي تم توضيحه ببداية الفديو أنهن تركن الإسلام، تخلين عن الوطن، وبدأن حياة جديدة بعمر تجاوز عمر تكوين الذات) ومن غير المنطقي أن يكون أثر هدم الذات بهذا الشكل هو الرضا الداخلي خصوصاً بالنسبة لأعمارهن. والمضحك المبكي هو رد البقية بالهاشتاق #i_choose_to_stay، والذي ذكروا من خلال تغريداتهن أنهن يخترن البقاء في السعودية، ولايطمحن للهجرة. لكنهن نسين أنني عندما أصل لمرحلة أن أملك حرية الاختيار، فسوف تحل كافة مشاكلي. لكن المشكلة العظمى هي أنّي لا أملك حق الاختيار. فالقضية هنا ليست أنّي أود أن أهاجر، أو أود أن أبقى. القضية هي أنّي أود أُخيّر لأختار البقاء، وليس أن أبقى لأنّي لا أستطيع إلا البقاء. القضية هنا أني أحتاج إلى حق الاختيار، لأختار البقاء. #iNeedTheRightToChoose_ToStay

أنا لا أملك أن أختار

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.