أن أُحِب، وأن أُحَبّ

أشاهد مسلسلاً على الانترنت، نتفلكس تحديداً، باستخدام اللابتوب الخاص بي، انتهيت الحلقة، واغلقت المتصفح وبقيت لمدة دقائق أتأمل الخلفية. ولتوضيح السبب فقد قمت بتغيير الخلفية ووضعت صورة ابنتي الصغيرة (٤ سنوات) في وضعية استلكاع أمام الكاميرا، وأعتقد في كل مرة أغلق البرامج التي تحجب الخلفية، وتظهر ضحكتها اللطيفة، أذكّر نفسي بضرورة تسجيل هذه اللحظات والوجوه التي تفتعلها خوفاً من أن تضيع في الذاكرة. لطالما احترت كثيراً في نظرتي للحب، لمشاعر الحب تحديداً، ولطالما تساءلت عن الأمر الذي يجعله مميزاً وغريباً ليجعل سائر البشر على مر الأزمان يسعون جاهدين للوصول إليه. ولأكون أكثر دقّة، أنا لم أكن لأتساءل، بل كنت أخجل من هذه المشاعر، واعتقدت أنها مشاعر يجب أن لاتظهر لأي كائن من كان، وكنت اعتقد أنها ليست سوى دلالات ضعف تجعل الشخص في موقف غبي قد يفضي إلى فقدان الكثير من أجل تفاهة. نعم هكذا كنت أراها، مجرد تفاهة تجعل الشخص يرتبط عاطفياً، يثق، يعطي، وحتى يتهور من أجل الآخر وبلا مقابل. نظرتي للحب لم تكن سوداوية، قد تكون نتيجة لمجتمع متهالك ربط بين العهر والعشق والحب بدون احترام للذات الإنسانية، فكل من كان يتحدث أمامي باسم الحب، كنت أربطه تلقائياً في عقلي بالرذيلة.

ومنذ ذلك الوقت وحتى هذا اليوم تغيّر الكثير من آليات تحليلي للأمور، وكان الفاصل المؤثر الكبير هو عندما أصبحت أماً. فكما يقال خلال عملية الولادة، لايُولَدُ الطفل فقط، بل تُولَدُ معه الأم. وُلِدَتْ أم، وولدت معها مشاعر جياشة، جميلة لطيفة ومليئة بالحياة. أيقنت أن هنالك نوعاً من المشاعر التي تعطى بلا مقابل. بلا حتى توقعٌ لفرحة أو أمر جيد ليحدث لي. يحدث أن ابتسم عندما أحدق بشاشة جهازي لمدة دقائق بدون أن أعي ذلك فقط لأني أشاهد ابتسامة ملائكية خلف الشاشة. عندها تحول التفكير في هذه المشاعر من خجل إلى تساؤل عن ماهيتها، ومالذي يجعلها مميزة بهذا الشكل، وأعتقد أني اليوم بعد أن ذكرت نفسي بتجسيد الذكريات بصور أكثر، عرفت السبب، فالحب هو الشعور المسالم الوحيد فكافة المشاعر الأخرى تتطلب رداً مقابلاً، إلا الحب فهو الشعور الذي يعكس مرحلة اتزان ذاتية بين القوى العقلانية والعاطفية. هو ليس شغف، ولا عشق ولاتملّك. وإنما محبة صافية نقية، تحكم بعلاقات مختلفة، قد تكون ارتباطاً فكرياً أو جسدياً أو حتى كلاهما معاً. هي أسمى علاقة إنسانية قد يصلها الانسان. وهي أعظم نعمة يجب أن أمتن لخالقي عليها، أن أحبّ وأن أعلم أني أُحَبّ. 

أن أُحِب، وأن أُحَبّ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.