حب أو نصيب

وحدة من الصديقات كتبت في برنامج باث للسوشال ميديا ثوته-فكرة (حيث أن البرنامج يعامل الاضافات الجديدة فيه كأفكار) تعبر عن سعادتها بالمتزوجين الذين يحبون بعضهم وتظهر عليهم المشاعر جليّة.
الأمر الذي زاحم الأفكار في عقلي، وجعلني أفكر بالسبب الذي دعاها لهذه الفكرة، وهل هي فكرة شائعة في أن المتزوجين لدينا تخلو حياتهم من الحب والشغف، أو أنهم لايظهرونه للآخرين (يجحدون) أو أنه غير موجود في حياتهم.

برأيي أن الموضوع ليس سوا اختلاف مصطلحات، وهذه المصطلحات تفضّل حياة على أخرى بسبب هالاتها التي تتكون من النظرة العامة لها. لكي أشرح الجملة السابقة بالتفصيل أحتاج أن أعود للبداية من مرحلة البحث عن الشريك، هنالك هالة ضخمة في آلية البحث عن النصف الآخر في المجتمعات الغربية متمثلة بالأفلام، تجسد هذا البحث بأمر شخصي، قد يتخلله تدخل صديقات أو أصدقاء بحكم انفتاح المجتمع بين الجنسين. وهنا تظهر ضخامة أثر هذه الهالة عندما نرى بعض مشاهير السوشال ميديا من مجتمعنا "يفخرون" باختيارهم لشركاء حياتهم. بينما مرحلة وقرار اختيار الشريك فعلياً وعملياً هو أمر بالضرورة يتوقف عند الشريكين بذواتهم.
ففي مجتمعنا وبداخل أطره الدينية وحتى بعض عاداته، تبدأ مرحلة الزواج ببحث الرجل عن شريكة حياته المناسبة، هنالك بعض الذكور يكونون قد بنو اعجاب مسبق عن نساء محددات. وهنالك بعض منهم، من هو في معزل تام عن النساء كما ذكرت سابقاً بسبب انعزال الجنسين في المجتمع، فهو من هذا المنطلق يسأل ذوو الخبره من معارفه والذي غالباً يكونون امه وشقيقاته او من يثق بآرائهن وقدرتهن على إيجاد الشريكة المناسبة له، وهنا تبدأ مرحلة البحث وطرح الخيارات وسبب الاختيار بناء على تناسب المنظور الفكري والشكلي بين الراغب بالزواج والاقتراحات. وهذا بالمصطلحات الوردية هو مايسمى بالـ match maker. أما القدرة على ايجاد الشريك المناسب، فليس بالضرورة خطأ الفكرة، وإنما هو خطأ الأهل في المجتمعات التقليدية والاصدقاء في المجتمعات المتفتحة (فلاننكر الكثير من الأفلام التي تصور محاولات الربط بين اثنين من قبل اخرين من اصدقائهم ولاتنجح محاولاتهم بسبب عدم اتفاقهم).
وبعد القبول المبدئي للمقترح المطروح/ أو الذي تم طرحه من قبل الراغب بالزواج نبدأ مرحلة ثانية فيحدث مايسمى بـ"الشوفة الشرعية" والتي تقابل بالمصطلحات الوردية بـ"first date". طبعاً في الأولى هي محدوده بأن تكون في منزل الفتاة، ولا تشمل وجبة حقيقية، لكنها تشمل الأركان الأساسية، وهي محاولة لبناء تصور بسيط من التعارف الفكري و الشكلي والذي يفترض أن يحدد القبول أو عدم القبول من الجهتين.
هذا القبول في العالم الوردي يترجم في موعد ثان لتعارف أكثر عمقاً، ويترجم في عالم "النصيب" بإقرار الخطبة وإعلانها رسمياً، والبدء بالإجراءات بشكل رسمي، وخلال هذه الأجراءات قد يتم التواصل الهاتفي بين الشخصين لتحديد سلامة القرار المتخذ. وحتى هذه اللحظة لايوجد ارتباط حقيقي يتطلب الغاؤه اثار سلبية على الشخصين، تماماً كما في العالم الوردي فالأمر يغلب عليه اختلاف في المصطلحات ارتبط بهالات وهمية تغلغلت في دواخلنا.

فهنالك النظرة الجميلة والوردية للحب قبل الزواج، والنظرة السيئة لفكرة النصيب التي تمثله بزواج العميان، بينما في الواقع لايحدث النصيب بين اثنين الا في حال رغبتهمها بذلك (وأنا هنا لا أتحدث عن العنف والإجبار والتزويج غير الشرعي الذي قد يقومون به بعض أولياء الأمور من المجتمع بدون وجه حق وإنما أتحدث عن زواجاتنا وزواجات أمهاتنا وآبائنا ومن هم سعيدون بحياتهم حولناوالذي تمت زواجاتهم بهذه الالية التي يتم التسويق لها بالمتخلفة برأي غالبية الجيل الجديد) ونستنتج من ذلك أن النصيب لايحدث إلا بعد الإعجاب المتبادل والقبول المبدئي، وهذا الإعجاب بالضرورة يتحول لاحقاً إلى حب اذا لم يحدث مايعترضه.
تماماً كما في العالم الوردي.

فالحياة الزوجية في مجتمعاتنا سيغلب عليها السواد وسنطير فرحاً حين نرى بعض السعداء بل وقد نتفاجأ حين نرى الأزواج المتحابين اذا استمرينا نصدق بأن النصيب ليس سوى "شختك بختك". ومن خلال طرحي السابق، أتمنى حقاً أن تكون نظرتنا للأمور واقعية، فلست أؤمن بالفكرة الوردية سواء في مجتمعاتنا أو في المجتمعات الغربية، لكني أرفض المقارنة الشرسة التي تتم بين الزواج التقليدي والزواج مسبق التعارف، فكلاهما يحصل من خلالهما النجاح والاستمرارية ونمو الحب أو موته بداية وأخيراً اعتماداً على الشريكين وكيفية تعاملهما معاً ولاشيء غير ذلك.
وكما يقول دريد لحّام: الحياة حلوة بس نفهمها. يجب أن نرى الحياة الحقيقية التي نعيشها والتي هي ليست سوداء كما يروج لها إعلامياً.

حب أو نصيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.