مو حزن لكن حزين

قبل سنوات تناقشت مع أحدهم، وكان يُعرف هذا الشخص بنظرته السوداوية للأمور، ومن معتقداته هو أن الحزن أساس الحياة، وأن الفرح طارئ فقط، ودليله بذلك: “لقد خلقنا الإنسان في كبد” والكَبَد، هو الشدة والمشقة والعناء. رؤيتي اختلفت عن رؤيته، فنظرتي للإنسان أنه خليط من مشاعر لايفهمها تتشكل حسب الموقف واللحظة ولايوجد ماهو أساسي أو طارئ والمشقة هي التغير الدائم وعدم الاستقرار. واعتراضي ظهر من منطلق اني أكره النظرة السوداوية لأنها تتلف قيمة الحياة وتجعلها بلا معنى، مجرد انتظار للنهاية.

ولكي نفهم أساس النظرة السوداوية التي تتشكل مع مرور الوقت، ودي تتصورون موظف مجتهد وأمين وحريص، انسان وتصيبه تقلبات، لكن مستوى عمله رائع، هذا الموظف يعلم أنه طوال حياته سيظل بهذه المرتبة، لن يرتقي ولن يتقدم، وسيظل من واجبه أن يؤدي أعماله بحرص، بدون مكافآت ولا ترقيات، مجرد راتبه نهاية الشهر. هو يرى حوله الآخرين تتغير مناصبهم وتتم مكافأتهم على انجازاتهم أو محاسبتهم على تقصيرهم. ويحمل في قلبه ذرة إيمان في أن الوضع قد يتغير يوماً ما. هو أيضاً لديه مسؤوليات أخرى خارج عمله، وفي حال خسر عمله فسوف يخسر كل مايحب. هذا الموظف لايمكنه التقديم على أي وظيفة أخرى ولو فعل فربما سيطرد من وظيفته الحالية وسوف يخسر كل مايحب. مع الوقت سيذبل هذا الموظف، وستنطفئ بقلبه شمعة الإيمان بأن تغييراً قد يحصل، سيتدنى مستواه في العمل، وسيغوص في ذاته، ربما حتى يفقد الإحساس الجميل في كل ماحوله أيضاً. 

طيب ليش تحوّل؟ لأنه صار يسعى بدون الحصول على الانجاز الذي يدفعه للأمام، يسعى بدون وصول. وهذا بالضبط كل ما مرتت به منذ أن صرت أعي النظرة القاصرة تجاه الأنثى والتي تجعلها موظف عليه واجبات وبدون ترقيات، مما ولد لدي نظرة سوداوية صرت أنتظر من خلالها فقداني الإحساس بالحياة. وانتشلت نفسي بصعوبة، وأشعلت من جديد شعلة الإيمان أملاً بالتغيير. وهاهي اليوم تحيط بي من جديد، بعد أن صرت أكبر عمراً، وأقل قدرة على المواجهة. فهل سأظل أعتقد أن الانسان هو خليط من المشاعر؟ أم أن الحزن الذي أصابني هو فطرتي، وأن السعادة التي أبذل مجهوداً للوصول إليها هي الطارئ. 

مو حزن لكن حزين

استغفري لذنبك

استمعت قبل مدة لقصة نبي الله يوسف للدكتور طارق السويدان. نبي الله يوسف هو ابن يعقوب عليهما السلام، والذي لم يكن محبوباً لدى أخوته، فأخذوه ورموه في البئر إلى أن مرّ العزيز (مسؤول الخزينة في مصر) وأخذ يوسف صبياً وولداً. الموضع الذي أثار اهتمامي هنا هو عندما أرادت امرأة العزيز -الذي وصفه الله سبحانه وتعالى بالحكمة- أن تمارس الفاحشة مع نبي الله يوسف، يقول الله تعالى: “يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ” وهذا الخطاب من العزيز لها وليوسف، عندما رآهما سوياً وثبتت براءة يوسف عليه السلام.

صرت أتفكر كثيراً بردة الفعل، وبعد طول تأمّل وجدت أن امرأة العزيز كانت تنوي وصارت تحاول التنفيذ لكنها لم تفلح، فالعزيز لم يتهاون بالحكم عليها، وإنما لم يسقط عليها عقاباً بسبب فعل لم يقع، ونيّتها ورغبتها هو أمر بينها وبين ربها، فأشار لها أن تستغفر لذنبها عسى الله أن يغفر لها، ووجه يوسف بالإعراض عنها فقط فلم يطرده أو يتخلص منه، وكان تعليق الدكتور طارق السويدان، هو أين الشهامة، زوجته همّت بآخر ولم يغضب ولم يتركها تذهب.. وكان تعليقه بأنها حكمة الله. صحيح هي حكمة الله، ولكن أيضاً أراه توجيهاً إلهياً بعدم التسرع بالحكم بدون وجود المعصية، وانما دلائل وقوعها فقط. فلا يجب أن نحكم على النية بالمعصية وحتى إن همّ بها الشخص ولم يرتكبها بعد، يظل شخصاً لم يرتكب مايستحق العقوبة الدنيوية، وماهمّ ونوَى على فعله هو أمر بينه وبين ربه وسوف يحاسبه عليه، وكل مايمكننا قوله هو أن استغفر للذنب الذي اقترفته تجاه خالقك فقط. فلا صلاحية لنا عليه بإسقاط الأحكام أو تنفيذ عقوبة أو ما إلى ذلك. 

استغفري لذنبك

حكم التعدد في الإسلام.

في منهج الفقه المخصص للمرحلة الثانوية قبل مايقارب عشر سنوات، كان أحد المواضيع الفقهية المطروحة هو موضوع تعدد الزوجات في الإسلام: حكمه والحكمة منه والرد على أقوال المستشرقين وغير ذلك من الزوايا لدراسة الموضوع. كنت أذكر تأملي لجوانب الموضوع وأنه أهمل جانب الإحساس السيء الذي ينطوي على أي امرأة يتزوج عليها زوجها، وهذا الإحساس يتحكم به بشر غيرها -زوجها- ولذلك فهو يدخل في مسمى ظلم المرأة، وذلك لأن الظلم هو العمل غير العادل، ولا أرى أنه من العدل أن يتزوج الرجل امرأة أخرى، ولكي أشرح مايدور برأسي بشكل مفصل أكثر لابد وأن نتفق على المسلمات التالية:

  • الإسلام دين رباني كامل متمم لكافة الأديان السابقة، وهذا يعني أن الحكم فيه بالضرورة لايسبب الضرر أو الشر أو  الظلم للآخر.
  • الزواج مصدر من كلمة زَوْج، والزوج هو الصنفان من نوع واحد، فهي باللغة العربية كلمة تطلق على ثنائي مثل: زوج أحذية. وفي محور حديثنا هنا الزوجان هما الذكر والانثى المرتبطان بعقد نكاح يجمع بينهما.
  • الدين علاقة ثنائية بين الفرد وخالقه، والاختلافات في بعض أحكامه وتطبيقها لاتتيح للآخر القدح بهذه العلاقة.

الآن يمكنني عرض وجهة نظري بخصوص مسألة التعدد. في كل زواج بين رجل وأنثى، تنشأ مشاعر حب واحترام بين الطرفين، في بعض الزواجات يكون هذا الحب قد نشأ قبل الاقتران وبعضها بعده من خلال فهم الآخر وحسن المعاشرة، وعلى كل الأحوال هنالك الرغبة الإنسانية في حصر هذه العلاقة بينهما، وفي حال تم توجيه هذا النوع من المشاعر لشخص ثالث -سواء علاقة الرجل بامرأة أخرى أو علاقة المرأة برجل آخر- تكون مؤذية ومزعجة جداً للطرف الثاني، وتصنّف تحت مسمى الخيانة حتى لو تم تغطيتها بغطاء الدين، وهذه الفكرة هي ماجعلتني أرى أن هنالك تناقض غريب في فكرة جواز تعدد الزوجات، وبين إرغام المرأة على التصالح مع الانزعاج الناتج عن مشاركة الزوجة زوجة أخرى مشاعرها تجاه زوجها وتقبل العلاقة، أو طلب الانفصال والذي يترتب عليه غالباً عقبات تواجه المرأة كونها تعيش في مجتمع ذكوري تحت مسمى الدين. أتى إباحة تعدد الزوجات خلال هذه الآية:

“يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ(٣)”
– سورة النساء

وهي الآية التي تم من خلالها تشريع تعدد الزوجات في الإسلام وتم حده بأربع زوجات كحد أقصى، ولكن ماذا عن بداية الآية “وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى”؟
بدأت هذه الآية بأداة شرط جازمة، وفي اللغة يتألف اسلوب الشرط من أداة الشرط وقد تكون جازمة أو غير جازمة، و جملة فعل الشرط، وجملة جواب الشرط. وقوع جملة الجواب وتحققها مشروطٌ  بوقوع جملة الشرط، فإذا تحقق الشرط تحقق الجواب.
وهنا في هذه الآية أداة الشرط الجازمة ( إن )، وجملة فعل الشرط (خفتم ألا تقسطوا في اليتامى)، وجملة جواب الشرط (فانكحوا ماطاب لكم من النساء) وكما سبق أن ذكرنا عن أسلوب الشرط في اللغة تحقق الجواب ( انكحوا ما طاب لكم من النساء) مرتبط بالشرط (خفتم ألا تقسطوا في اليتامى). قرأت بعض التفاسير لمجموعة من المفسرين، وغلب أن يتم ربط جملة فعل الشرط بسبب نزول الآية، ومن ثم يتم تفسير جواب الشرط بشكل منفصل. ولغوياً لايصح ذلك، فكما ذكرت قبلاً أن وقوع جملة الجواب متحقق بشرط جملة الفعل.

بعد البحث وجدت كتاب “الكتاب والقرآن” لمحمد شحرور، ذكر فيه بعض التناقضات في تفسير وفهم بعض الآيات، والذي قرأت أنه لاقى نقداً شديداً نظراً لتفسيره المعاصر للقرآن والذي يتفق مع العصر الحديث ويعارض بعض أفكار العلماء المسلمين الأولين، وبغض النظر عن الكتاب ككل  -فلم أقرأ سوى جزئية تعدد الزوجات- والتي كانت التفسير المرجعي الوحيد الذي ربط بين جملة فعل الشرط وجواب الشرط الذي وجدته. فقد ذكر الدكتور محمد أن في باب الوصايا في الإسلام، اليتيم يطلق على من فقد والده (الأب) ومن لم يبلغ سن الرشد بعد. فتبعاً لتفسيره. فبدأت الآيات بالحديث عن اليتامى استباقاً للآية قبلها، (وإن خفتم آلا تقسطوا) والقسط هنا، يختلف عن العدل، فالقسط يكون لشخص واحد، والعدل يكون بين شخصين، فالقصد هنا توجيه الخطاب للأزواج، في أبناء وبنات زوجاتهن الآرامل. وعاد الخطاب للعدل حين ذكر جواز الزواج من النساء اللاتي لديهن أيتام -واللاتي من المنطق أن يكنّ أرامل بالأولى- (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) وهذا يرجع للعدل بين الأيتام أبناء الأرامل التي تم تحديدهن باثنتان أو ثلاث أو أربع، ولكن إن خاف الزوج من عدم قدرته على العدل بين هؤلاء الأبناء وميله إلى أبناء إحداهن تبعاً لميله لأمهن، فالأجدر له أن يكتفي بواحدة ولا يعدد. من كل هذا نفهم أن الخطاب مخصص لمشروعية الزواج من فئة محددة من النساء وهن الآرامل التي لديهن أبناء أو بنات لم يبلغن سن الرشد وتكون هذه الآيات التي تم من خلالها تشريع التعدد في الإسلام هي تشجيع من الله سبحانه وتعالى للناس، لكفالة اليتيم وإعالته والاهتمام به كما لو كان ابناً له. فهل التعدد جائز شرعاً؟ نعم. هل هو مشروط؟ نعم، مشروط بوجود أيتام كما ذكرت الآية بكل بساطة.

وكما ذكرت، بداية، فالدين هو علاقة ثنائية بينك وبين خالقك، تأمله جيداً ولاتسلم عقلك للآخرين. فالله سوف يحاسبك على أفعالك وليس على ما أفتى لك الآخرون بفعله. الإسلام دين لايظلم، فتذكر أن أي فعل تفعله يوقع الظلم على قلب مسلم خصوصاً لو كان باسم الاسلام والشرع، قد يحاسبك الله عليه في الآخرة.

حكم التعدد في الإسلام.

الحاجة للبقاء

هل فعلاً هنالك حاجة داخل الانسان للبقاء؟ منذ أدركت الحياة وأنا بانتظار أن أرحل، كل متعتي لحظية، وكل يوم يمر، صار يذكرني بأنّي لا أنتمي، كل يوم صار يقلل رغبتي بالبقاء، هنالك الكثير جداً من الأمور التي تزرع في روحي البهجة، والتي أخجل من الاعتراف بها، كأن أرسم، أو استمع إلى صوت شجي حتى وإن لم أكن أفهم أية كلمة، من أجمل الأوقات التي قضيتها في دبي كان قبل ثلاث سنوات كنت وحدي أتفرج السينما التجريبية في الهواء الطلق وكان العرض لفلم the butler ، في وقت مشابه لهذا الوقت. ومثله قبل أسابيع قليلة في الرياض، عرض بيتشا كوتشا الذي تم تخصيصه عن الموسيقى. أعتقد أن أفضل اللحظات هي التي أنفصل فيها عن تقييم ذاتي وانتقاد الآخرين، هي التي أستلذ بها بالسعادة الحقيقية.

كما يعرف الجميع، في الرياض تقتصر وسائل الترفيه المتاحة طوال السنة على الأكل، هنالك المعارض والفعاليات الفنية والأمور التي تستهويني، لكنها لاتكون متاحة دوماً. أن تعيش في الرياض يعني أن تعيش في سجن كبير، وهذا السجن إما أن يكون بيتك في حال كنت تكره زحمة المواصلات (فلامجال للمشي اطلاقاً) أو يكون بيتك بالاضافة لعدد من البيوت الصديقة. والمشكلة في المدينة لاترجع فقط للجمادات، حتى الأشخاص تراهم يتصرفون بشخصيات مختلفة عن تصرفاتهم خارج الرياض. غالباً ما يكونون حقيقيين أكثر. وليس تصرفاتهم فقط بل لديهم القدرة على تعديل الآلية التي يتم فيها بناء أفكارهم، فبمجرد دخول الرياض، حتى يتحول كل شخص للوصي المسؤول عن الآخر الذي يرى أنه له الحق أن يقرر ويتصرف وينتقد أدق التفاصيل للآخرين، فالعازب لابد أن يتزوج والمتزوجة لابد أن تنجب والأم لابد أن تشكل فريق كرة من الأبناء، ومن لايعمل لابد أن يعمل ومن يعمل لابد أن يجد عملا أفضل. فلامجال للشخص للتفكر في حياته، طريقه مرسوم بين أيدي الآخرين، فمثلاً مما واجهته كثيرً خلال تربيتي لابنتي ذات الثلاث سنوات، هو انتقاد العديد من الأوصياء لي حين أسمح لها بتناول الشبس أو الحلويات الملونة ادعاء أنه أكل غير صحي أو نظيف أو….الخ . وبالمقابل، نجدهم يستمتعون بل ويفخرون حتى بزياراتهم لمطاعمهم المفضلة في حين يعلمون انعدام مستوى النظافة في مدينة الرياض مقارنة بغيرها من المدن! حتى أني بنفسي وجدت شعراً في أكلٍ طلبته من مطعم Eataly المفتتح مؤخراً. فأين مستوى الصحة والنظافة؟ أم أنه معيار يتم تخصيصه حسب الاحتياج؟ هذا كله بالإضافة لتحاملي على هذه المدينة الكريهة وماتحمله من نفاق وحياة مبتذلة، سطحية وكريهة لأبعد الحدود.

أشعر فعلاً بالتعاسة، وحتى مع سخافة الأسباب التي تشعرني بالتعاسة، إلا أنّي لم أستطع الخروج منها. بل إنّي أراها تلتهمني يوماً بعد يوم، فقد بدأ كل هذا بالصدمة، ثم محاولة التغيير، ومحاولة التعايش، وأخيراً اليوم انتظار الرحيل، لا أنكر تخلل ذلك كله لحظات سعادة لاتطول، وماتلبث أن تقتل بكلمة أو عبارة أو حتى تصرف. فأين حاجة البقاء في كل ذاك؟

الحاجة للبقاء

شجر الزيتون

أحد أهداف هذي السنة واللي تأجل من السنة الماضية، كان مداومة التدوين الرسومي، بدأته مع شجر الزيتون، ولأن شجر الزيتون أول استدلال لسيدنا نوح عليه السلام على عودة الأرض لوضعها الطبيعي بعد أن عادت الحمامة بغضن الزيتون في قدمها. إلى جانب أنه أحد الفاكهة المذكورة في القرآن، هو رمز ديني في الأديان السابقة، وحتى ماقبلها عند اليونان والإغريق والفراعنة، ولمعلومات أكثر ابحثوا عن شجر الزيتون. أيضاً المهتمين بالتصميم والبراندنق، ممكن يلاحظون عدد الشعارات العالمية المستمدة من أغصان الزيتون. فكرة التدوين الرسومي، هو إنّي أرسم كل يوم شي بسيط، ومب بالضرورة رسم قد ما هو نتاج نستخدم فيه أدوات فنّية. وهذي أول نتيجة..
العبارة المكتوبة جزء من أغنية لفيروز ( تحتوي موسيقى ).

 

شجر الزيتون

قرار منع التحدث بالعربية

في أواخر يوليو من عام 1500 م ذهبت الملكة إيزابيلا إلى غرناطة لمتابعة عمليات التنصير والإشراف عليها. ووقعت الدولة مع جميع قرى ومدن مملكة غرناطة مراسيم تجبر الأهالي فيها على التنصير مقابل معاملتهم ماليَّا مثل معاملة النصارى القدامى وفي نفس هذه المواثيق يمنع النصارى الجدد من ذبح الحيوانات على الطريقة الإسلامية ومن أن يلبس رجالهم أو نساؤهم اللباس الإسلامي، وأجبروا على تغيير أسمائهم الإسلامية وحتى تقاليدهم وعاداتهم بعادات وتقاليد نصرانية. ولم تنته سنة 1500 م حتى عم التنصير جميع أنحاء مملكة غرناطة القديمة من رندة إلى المرية مرورًا بوادي آش وبسطة والبشرات. وتتابعت في نفس السنة المراسيم بمنع استعمال اللغة العربية. وصدر قرار في سبتمبر يمنع”المتنصرين الجدد” من حمل السلاح وامتلاكه، وينص على معاقبة المخالفين لأول مرة بالحبس والمصادرة ولثاني مرة بالإعدام.

تم الحكم بالإعدام لمن يكرر المخالفة، وتضمن هذه المخالفات الحديث باللغة العربية! 

-١-

حين تحمل قطعة فنية هُوية عربية، أكثر من الأشخاص. خلال شهر اكتوبر شاهدت بنت سعودية تحاور بنت سعودية تخبرها عن أعمالها الفنية المستمدة من التراث العربي/ السعودي، باللغة الانجليزية، ولكي يكون الحديث لطيفاً تضيف عدداً من الكلمات العربية، مثل: يعني، شي زي كذا. لست ضد استخدام اللغة الانجليزية في بعض المصطلحات التي تم دراستها خلال التخصص العلمي والتي قد يختلف معناها بالترجمة بسبب عدم اعتماد كلمات مرادفة، لكني ضد أن يتم “التواصل” معي بلغة لا أعتبرها سوى وسيلة اتصال مع من لايستطيع الحديث بالعربية.
-٢-

قبل شهر كنت أبحث عن مدرسة رياض أطفال تناسب ابنتي ذات الثلاث سنوات بدون أي معايير دقيقة، وبعد فرز عدد ١٥ روضة في الحي الذي أسكنه والأحياء القريبة، بدأت التواصل معهم، والنتيجة واحدة كانت حكومية رفضت قبولها بسبب الازدحام ولم نتطرق للمناهج، واحدة ذكرت اعتمادها على القاعدة النورانية بالتعليم، وهي دورة تدريبية لتعليم اللغة العربية بالتدريج للأطفال مابين ٣-٧ سنوات وربطها بالطريقة الصحيحة لقراءة القرآن بالتجويد الصحيح. والبقية كانوا يفخرون بتعليم الطفل اللغة الانجليزية، بل حتى أن الغالب منهم معتمدين مناهجهم المتبقية باللغة الانجليزية. 

وأعود بالذاكرة إلى سبع سنوات للخلف، في الوقت الذي ناقشت فيه خالي (مدرس للمرحلة الابتدائية) والذي كان يرفض رفضاً تاماً إدخال اللغة الانجليزية على الصفوف الدنيا، ويبرر ذلك بصعوبة الاستقرار اللغوي الذي سيصاب به الطفل خلال المراحل الأولى من دراسته، ولا أعلم ما إذا كان رأيه مبنياً على أسس علمية أو مجرد ملاحظة للطلاب،   فكنت أعارضه بشدة، وذلك لأنّي كنت أرى الشخص يتقدم ويتأخر بناء على انفتاحه وتواصله مع العالم، ولم أزل أؤمن بذلك، لكن الذي تغير بالنسبة لي هو ترتيب الأولويات، فبتّ أفهم اليوم أن اكتساب لغة العصر لايجب أن يطغى على لغة الهُوية التي مع أمور أخرى تشكل شخصك وماضيك ومستقبلك.

-٣-

قبل عدة أشهر وفي دبي، كان الوقت يصادف مهرجانات الصيف في أرجاء الإمارات، وكانت من اللفتات اللطيفة، انتشار ألعاب تناب عمر ابنتي في ساحات الأسواق التجارية، فكنت أجالسها وتلعب هي مع غيرها من الأطفال، لكن الحوار كان عسيراً جداً عليها، فالجميع يتحدث الانجليزية. واليوم تكرر المشهد مجدداً، في الرياض، بأحد المعارض المؤقتة التي تستهدف أنشطة الأطفال، فكان الجميع يحاورونها بالانجليزية وهي لاتعي مايقولون، فكل المفردات التي تعرفها هي: door, let’s go, friends, book, apple, وغيرها من الكلمات البدائية جداً والتي تتناسب مع عمرها، وفي المقابل هي تحمل حصيلة لغوية من الكلمات الفصيحة مايتجاوز معرفتي حتى! تجاوز الوضع الآن التفكر بالهوية، والاستياء من الانسلاخ من اللغة إلى محاولة التوصل إلى قرار. هل سيسيء لها ذلك مستقبلاً؟ أنا مازلت مؤمنة أنه لابد وأن يكون للإنسان لغتة أم، أو مايعرف بالـ Native Language، وباعتقادي هي ليست لغة البلد، وإنما اللغة التي يكتسبها الطفل بشكل أساسي حتى عمر ٧-١٠ سنوات، بعدها أي لغة تضاف عليه يعتبرها عقله ثقافة عامة وليست لغة أساسية. 

-٤-

أيضاً اليوم، أم-أم هي أخت لم انتبه- تشابهني تماماً بالزي والحديث والكلام، تحاورنا قليلاً حيث كنا نجلس جوار بعضنا البعض، إلى أن أتى طفلها، حتى أصبح يبكي ويعبر عن ألمه الذي أصابه بعد أن سقط، وحديثه كان بالانجليزية العامية حتى! وفوجئت كيف أنها تحاوره بالانجليزية. لم أتدخل ولم أنتقد تصرفاتها ومازلت أحاول ألا أحكم عليها، لكن ماحدث هو أنّي فوجئت! كيف تنشئ شخصاً لايستطيع أن يعي مجتمعه، عندها صُدمت من أفكاري، فلربما أنا التي أنشيء طفلة لن تعي مجتمعها. محزن جداً ماوصلت إليه، استأت كثيراً، حتى أنني أردت حقاً الهروب من المكان. فأنا لم أعد أتشارك مع هذا المجتمع حتى لغته. تذكرت القشتالة، والموريسكيين المضطهدين في غرناطة، تذكرت محاولتهم على التمسك بالعربية رغب منعها والحكم بالإعدام على من تتكرر مخالفته ويتحدث بها. 

مالذي حدث لنا؟ لمَ انسلخنا من أنفسنا؟ لمَ صرنا استنساخات مشوهة لاتحمل أي روح، وليس لها أي هوية؟ لست ضد الانسلاخ، لكنّي ضد التشوه. لا ألقي اللوم على كل من تخلى وهاجر إلى عالم آخر وتعلم موروثاته ولغاته وأصبح جزءاً من كيانه، لكني ألوم كل أم تربي أبناءها على التجرد، ألومها على أن جعلتني أفكر في أن ابنتي قد لاتندمج في المجتمع الذي هي كما هي أحد أسسه المتينة. 

كان مثيراً للعجب مايتحول له مجتمعنا، وبات اليوم محزناً

قرار منع التحدث بالعربية