بنت أو ولد؟

بالإبهام أعد على تقاطيع أصابعي المرات التي أحمد فيها ربي، خلال الوقت الذي تقوم ممرضتين والدكتورة المناوبة وأخرى لا أعلم ماوظيفتها بشق رحمي واستخراج ابنتي، ومن التفكّر كنت تارة أعي وتارة أحاول إغماض عيني وتذكر العدد الذي وصلت به على أصابعي، إلى أن وقفت إحدى الممرضات على جانبي الأيسر تهنئني بولادتي وتطمئنني على صحة الطفل، لأسألها مالو كانت بنت أو ولد! وأجابتني أنها بنت. وكوني لم أعرف سابقاً جنس الجنين، فقد غمرني شعور المفاجأة اللطيفة والسعادة الغامرة لكوني أصبحت أماً وإلى جانب أني و طفلتي بصحة وعافية. مرّت أربع سنوات وحتى اليوم أتذكر التفاصيل جيداً وكأنها بالأمس. وما أستغربه هو أنّ شعور السعادة هذا يعود إلي من جديد بمجرد التذكر، وهذا يبطل نظريتي السابقة في أن الأحداث هي مايتم استدعاؤها من الذاكرة، بينما المشاعر لايمكن تذكرها وإنما تتجدد وتكون وليدة اللحظة ومصاحبة لاستدعاء الحدث. لكني في كل مرة أتذكر ولادتي السابقة، أتذكر جيداً شعور السعادة المصاحب في تلك اللحظات.

لقد كانت تجربة تأجيل معرفة جنس الطفل لحين وقت ولادته ممتعة جداً ولطيفة كثيراً وجمّلت لي اللحظة أكثر مما هي جميلة، فأدعو كل من ستصبح أماً أن لا تتعرف على جنس مولودها لحين لحظة الولادة، فتلك لحظات لاتفقدها الذاكرة إطلاقاً وعندما ترتبط بلحظة إضافية ممتعة كمفاجأة التعرف على جنس الطفل، فهي بكل تأكيد ستكون أجمل.

بنت أو ولد؟

أن أُحِب، وأن أُحَبّ

أشاهد مسلسلاً على الانترنت، نتفلكس تحديداً، باستخدام اللابتوب الخاص بي، انتهيت الحلقة، واغلقت المتصفح وبقيت لمدة دقائق أتأمل الخلفية. ولتوضيح السبب فقد قمت بتغيير الخلفية ووضعت صورة ابنتي الصغيرة (٤ سنوات) في وضعية استلكاع أمام الكاميرا، وأعتقد في كل مرة أغلق البرامج التي تحجب الخلفية، وتظهر ضحكتها اللطيفة، أذكّر نفسي بضرورة تسجيل هذه اللحظات والوجوه التي تفتعلها خوفاً من أن تضيع في الذاكرة. لطالما احترت كثيراً في نظرتي للحب، لمشاعر الحب تحديداً، ولطالما تساءلت عن الأمر الذي يجعله مميزاً وغريباً ليجعل سائر البشر على مر الأزمان يسعون جاهدين للوصول إليه. ولأكون أكثر دقّة، أنا لم أكن لأتساءل، بل كنت أخجل من هذه المشاعر، واعتقدت أنها مشاعر يجب أن لاتظهر لأي كائن من كان، وكنت اعتقد أنها ليست سوى دلالات ضعف تجعل الشخص في موقف غبي قد يفضي إلى فقدان الكثير من أجل تفاهة. نعم هكذا كنت أراها، مجرد تفاهة تجعل الشخص يرتبط عاطفياً، يثق، يعطي، وحتى يتهور من أجل الآخر وبلا مقابل. نظرتي للحب لم تكن سوداوية، قد تكون نتيجة لمجتمع متهالك ربط بين العهر والعشق والحب بدون احترام للذات الإنسانية، فكل من كان يتحدث أمامي باسم الحب، كنت أربطه تلقائياً في عقلي بالرذيلة.

ومنذ ذلك الوقت وحتى هذا اليوم تغيّر الكثير من آليات تحليلي للأمور، وكان الفاصل المؤثر الكبير هو عندما أصبحت أماً. فكما يقال خلال عملية الولادة، لايُولَدُ الطفل فقط، بل تُولَدُ معه الأم. وُلِدَتْ أم، وولدت معها مشاعر جياشة، جميلة لطيفة ومليئة بالحياة. أيقنت أن هنالك نوعاً من المشاعر التي تعطى بلا مقابل. بلا حتى توقعٌ لفرحة أو أمر جيد ليحدث لي. يحدث أن ابتسم عندما أحدق بشاشة جهازي لمدة دقائق بدون أن أعي ذلك فقط لأني أشاهد ابتسامة ملائكية خلف الشاشة. عندها تحول التفكير في هذه المشاعر من خجل إلى تساؤل عن ماهيتها، ومالذي يجعلها مميزة بهذا الشكل، وأعتقد أني اليوم بعد أن ذكرت نفسي بتجسيد الذكريات بصور أكثر، عرفت السبب، فالحب هو الشعور المسالم الوحيد فكافة المشاعر الأخرى تتطلب رداً مقابلاً، إلا الحب فهو الشعور الذي يعكس مرحلة اتزان ذاتية بين القوى العقلانية والعاطفية. هو ليس شغف، ولا عشق ولاتملّك. وإنما محبة صافية نقية، تحكم بعلاقات مختلفة، قد تكون ارتباطاً فكرياً أو جسدياً أو حتى كلاهما معاً. هي أسمى علاقة إنسانية قد يصلها الانسان. وهي أعظم نعمة يجب أن أمتن لخالقي عليها، أن أحبّ وأن أعلم أني أُحَبّ. 

أن أُحِب، وأن أُحَبّ

عندما يتوقف الزمن

منذ مدة وبشكل متسارع جداً صرت أرى روحي تكبرني أعواماً، رغم ولعي بالفترة الشبابية، لكنّي مع الوقت صرت أفقد الطاقة الدافعة للأمام، ولم يتبق لي سوى روح متهالكة بانتظار نهاية الحياة. بانتظار أن يتوقف الزمن.بحثت مطولاً في الأسباب، حاولت جاهدة معرفة الخطأ الذي أمارسه في هذه الحياة لكي يغمرني شعور اللا انتماء للمكان ولا الزمان الحالي. ولأني سبق أن راودتني هذه الأفكار سابقاً بشكل أحاسيس مراهق لم تتجلى أفكاره بعد، كنت قادرة على تجاوزها، لرغبتي بالتعرف على العالم، كنت لم أره بعد. وأعاد كل ذلك اليوم، هو أنني مازلت بعد ١٥ سنة لم أصل لما كنت أتمنى الوصول له، وربما هذا أحد الأسباب. أو ربما يكون هو الأسباب جميعها.

والسؤال المهم يقع داخل إطار الذي كنت أتمنى الوصول له. ولفترة طويلة لم أكن أعلم حقاً، فكل ماوصلت له اليوم يسعدني حقاً وهو جزء مما كنت أتمناه. 

لكنّي اليوم علمت أني أحاول جاهدة الحصول على مايتمناه لي الآخرين. والاجتهاد في محاولة الوصول لأمنياتهم أجهدتني، خصوصاً أني اليوم يئست من المحاولة حتى، وهذا اليأس بات يأكل من روحي شيئا فشيئاً إلى أن وصلت اليوم إلى روح بائسة تنتظر أن يتوقف بها الزمن.

عندما يتوقف الزمن

هالة الاستقلالية

هنالك قصة قديمة تتحدث عن رجل لايعرف قيادة السيارة، ولكنه يرغب بذلك منذ مدة طويلة ولكنه لايعرف من يعلمه، وأخيراً يقرر أن يتوجه لمركز تعليم القيادة ويقوم بالاختبار، ولأن من يقوم باختباره هو شخص يعلم أنه لم يسبق له التدرب، كان يستمتع بالـ طقطقة عليه، فتارة يحاسبه على البطء، وتارة يحاسبه على السرعة. إلى أن فشل صديقنا المسكين. وظل يفشل ويفشل ويفشل لأنه لم يتلقى التدريب المناسب.

حسناً هذه القصة غير منطقية، وليست قصة قديمة، انما هي قصة اخترعتها للتو -ويظهر ذلك عليها جلياً- لتكون مقدمة لفكرة المرأة الرجالية، وبداية لابد أن أعرفكم بهذه المرأة، هي التي تستطيع تدبير أمورها والقيام بكافة الأعمال الموكلة لها ولزوجها، لايدخل ذلك بالماديات -رغم أنها قد تقوم به- ولكنها لاتهمنا الآن، فكل مايهمنا هو أنها قادرة وتثق بقدرتها بإدارة المنزل بدون التواجد الفعلي لرب المنزل. هي رائعة تقوم بدورها كامرأة فعالة، وبدورها كأم، وكأخت وكابنه، وأيضاً كزوج وكأب. فهي تقوم بكافة الادوار في المجتمع، هي مستمتعة، تعاني قليلاً من الضغط ولكن من منا لايفعل! الأهم أنها سعيدة. 

وهنا نتفق أننا نود صنع المزيد والمزيد من هذا النوع من النساء، لكن السؤال الأهم هو كيف؟ فكثير من النساء يمارس كثير من المهام لكنهن يفتقدن الى القيام بدورهن كنساء، او يفتقدن للسعادة، أو لعناصر أكثر. إذن كيف نصنع امرأة بهذا المقياس المتكامل، الإجابة غالباً: لا نستطيع! لأن هذه المرأة الرجالية هي ذات القائد الذي تارة يحاسب على بطئه وتارة يحاسب على سرعته، فليس بالامكان خلق امرأة قادرة على تحمل المسؤولية طالما لم تتلق التدريب الملائم الذي يجعلها مسؤولة. وكمثال بسيط، أحد مسؤولياتها هي أن تنشئ أفراداً متزنين قادرين على اتخاذ القرار الملائم في الوقت الملائم، بينما هي لم تمكن قط من اتخاذ القرار فيما يخص حياتها. فعندما هي تعزم على اتخاذ قرار ما، لابد أن تستشير العديد من الاخرين الذين يرتبط هذا القرار بموافقتهم لتقوم باقراره، فكأنما هي تدير إدارة تابعة لجهة حكومية، فعندما تقرر تعديل سياسة ما، لابد أن ترفع خطاباً للجهة الأعلى ومنها للأعلى حتى تتم الموافقة او الرفض ولكن بالنسبة لهذه المرأة فالسياسة تخصها وحدها لكن إدارات كثر لابد أن تقر بالموافقة قبل أن تحصل. 

 فالمعادلة الحقيقية لخلق القدرة على تحمل المسؤولية هي خلق القدرة على اتخاذ القرار وعلى تحمل تبعات هذا القرار، وهذا يبنى على تمكين الاختيار، الذي هو غير مفعّل حالياً سوى بمجالات ضيقة ومحصورة جداً. إذن، وفي ظل هذه المعطيات، يجب علينا تجريد هالة الاستقلالية، التي أصبحت شكلاً جمالياً يطلبه الرجال قبل النساء لدينا، والتي هي مستحيلة الوصول.

هالة الاستقلالية

خاطرة

التقيت منذ فترة بالمصادفة فتاة كنت أعرفها منذ مايقارب العشر سنوات، وكانت مفعمة بالحيوية والنشاط والأمل والاندفاع، وكنت أعرف عن أنها تشبه أمها كثيراًبهذه الصفات، فبالرغم من عمر أمها إلا أنها كانت عضو فعال في جهات خيرية، إلى جانب أنها تملك مشغلاً خاصاً أسسته بجهود فردية، وعانت كثيراً حتى تمكنت من إدارته. وكما ذكرت فصديقتي ورثت عن أمها -كما كنت أعتقد- كل هذه الصفات، إضافة لكونها في عمر الشباب! فلكم أن تتخيلوا كيف كنت أتخيل مستقبلها. 

عندما قابلتها، كانت تمارس الحياة بصعوبة، نظرتها تغلبها السلبية، هي مازالت مليئة بالحياة ولكن ليست نفس الحياة التي نضجت عليها، وكأنها انجرفت مع المجتمع المشوه، أفكارها تنحصر بمطعم جديد لايجب أن يفوتها، أو أمور استهلاكية تستعرضها للآخرين، لا أقلل من شأن ذلك، ولكني تفاجأت لأن شمعتها في تفاصيل الحياة العميقة قد انطفأت، أين حماسها للعمل، وأين حماسها للأعمال الخيرية والتطوع، وأين طاقاتها وأفكارها الايجابية، علمت من صديقة أخرى أنها أنجبت  بنتاً وولداً، ولديهما مربيتان وهي حالياً من “المشاهير” الذين يتم التواصل معهم للإعلان. وأن زوجها وصلها لهذه المكانة فزوجها أيضاً من هؤلاء المشاهير الذين يتمتعون إلى حد ما بالسطحية الفكرية. 

استأت لما وصلت له، فكانت من القلة الذين تحمست لمشاهدتهم مستقبلاً، ولم أتخيل في ظل أمها الرائعة أن تتحول لشخص كل اهتمامه، ماذا لبست وأين آكل! لكنّها جعلتني أتساءل، عن العوامل التي غيرتها، والتي ربما هي زوجها، ولكني لا أعلم أي شيء عنها فلا أستطيع التحليل بناء على توقعات. إلا أنها جعلتني أتفكر بنفسي وبمن حولي، فالزواج هو انتقال فكري، عاطفي وروحي، فهل فعلاً جعلني أتغير؟ وهل هذا التغير إيجابي، أنا لا أتحدث عن أثر الزوج على زوجته، أو العكس، إنما عن تغير في الحياة، ربما يكون زواجاً، وربما انتقال أو غربة.. أياً كانت الحياة الجديدة، هل قامت بتغييرك؟ وهل هو ملحوظ عليك؟ 

من الجميل أن نلتقي أصدقاء قدامى، ونتفكر في أنفسنا وفيهم، لنرى كيف تغيرنا، وإلى أين صار اتجاهنا، ونتذكر معهم أين كنّا.

خاطرة

سابرينا وباب التشجيع

أيام كنت بالمتوسط، كان فيه مسلسل أجنبي يستهدف المراهقات، اسمه: الساحرة سابرينا، وهي بنت في المرحلة الثانوية، نشأت في عائلة تجيد السحر، البرنامج كوميدي، يتناول حياة المراهقة في ظل قوانين السحر التي تملكها، إحدى الحلقات، كانت تتضمن باباً سحرياً، وهذا الباب يستخدم فقط في حالة الاكتئاب أو فقدان الشعور بالثقة، وعندما يفتح الباب يكون الشخص وكأنه أمام خشبة مسرح مليء بالجماهير الذين يهتفون باسم الشخص ويصفقون له تصفيقاً حاراً ويحيونه. وكان هنالك قوانين صارمة لاستخدام الباب، ولكن سابرينا، اصبحت تستخدمه كثيراً، وانتهت الحلقة في البحث عن حلول لتخلصها من هذا الادمان للحاجة للتشجيع.

يذكرني هذا الباب بوضع السوشال ميديا، فالوضع الطبيعي هو أن يتقابل الناس كل اسبوع أو كل يوم حتى ويمتدحون بعضهم عندما يوجد مايحقق الثناء، ولكن من خلال السوشال ميديا، يكون الشخص قد شارك افكاراً / صوراً / فديوات عديدة خلال اليوم الواحد مما يجعل مجموعة لابأس بها تحييه وتثني عليه، وخلال الوقت يتغذى هو على هذه التعليقات وتجعله يحدد مكانته تجاه ذاته. قد تكون هنالك نظرة أخرى مختلفة، وهي أن استخدام هذه البرامج للتوثيق وجمع الذكريات، وهنا أطرح فكرة التدوين غير المنشور، التوثيق لا المشاركة، وعند ممارسة للتدوين/التوثيق الفعلي سيكون الوضع إلى حد ما مملاً وليس بالعائد الايجابي السابق، ولذا فإن جزءاً كبيراً من التوثيق هو رغبة بالمشاركة، ورغبة بسماع الثناء/ النقد الايجابي، او حتى النقد السلبي ومواجهة الاخرين، وهذه الرغبة تخلق تعلق بالأشياء والبرامج والأفعال، تعلق بباب سحري، يزيد من ثقتك بذاتك. كما كان الباب لسابرينا نوع من الادمان والتعلق غير الصحي، هو أيضاً هنا تعلق غير صحي يحكمه هذا السؤال: هل لديك القدرة الآن على حذف أكثر الحسابات الشخصية الخاصة بك و التي تمدك بالسعادة؟ إذا كنت متأكداً من إجابتك بالايجاب، فأنت على ثقة عالية من ذاتك، وإن صعب عليك الأمر فتذكر أنه مجرد برنامج سيأتي غيره لاحقاً كما أتى هو وتعلقنا به جميعاً. 

هل يعني هذا أن التعلق أمر غير صحي؟ لا. ولكن من الجهة الأخرى فالانسان كائن اجتماعي، وفطرته مبنية على التواجد مع الاخرين وليست على الوحدة، فالتعلق بالاخرين من الناس هو فطرة انسانية  فالانسان يتعلق بأبنائه وبناته وأمه وأبيه، واخوته واصدقائه كلن بدرجة مختلفة وبقرب مختلف.

سابرينا وباب التشجيع

عارٍ من الانتماء

عارٍ من الاسم من الانتماء؟
في تربة ربيتها باليدين؟
أيوب صاح اليوم ملء السماء:
لا تجعلوني عبرة مرتين!
يا سادتي! يا سادتي الأنبياء
لا تسألّوا الأشجار عن اسمها
لا تسألوا الوديان عن أمها
من جبهتي ينشق سيف الضياء
و من يدي ينبع ماء النهر
كل قلوب الناس ..جنسيتي
فلتسقطوا عني جوار السفر !

– محمود درويش

جواز السفر – مارسيل خليفة

عارٍ من الانتماء

سيرة ذاتية

أنا هنا لن أتحدث عن السيرة الذاتية للأشخاص العاديين إن صحّ القول والتي نقدمها لجهات العمل المختلفة للحصول على القبول الوظيفي. ولكنّي سوف أتحدث عن المجلدات التي تكتب باسم الأشخاص المهمين، والتي تكون مفصلة تصف لحظات حياتهم، والتي قد يكتبها البعض خلال حياتهم أو بعد رحيلهم، استثني منهم الرسول الكريم وصحابته، فسيرتهم تدرس وتدرّس ولايكتفى بقراءتها. 

مادعاني للكتابة هو عجزي عن استكمال كتاب “مذكرات فرح بهلوي” والذي عجزت أن أتجاوز بعض المقتطفات التي تم ذكرها إما بتعظيم لاقيمة له أو بغرور يزعج القارئ، على الرغم من أنّي قرأت كتاب “من بلاط الشاه إلى سجون الثورة” وعلى الرغم من التفصيل السياسي الممل الذي ذكر به، إلا أنني أتممت قراءته. لكن في “مذكرات فرح بهلوي” تذكرت “السجينة” فلم يكن هذا الكتاب من مفضلتي إطلاقاً، بل على العكس حاولت مجاهدة ذاتي أن أنهيه لأني كنت في تلك الفترة أتخلص من المعلقات. 

وهذه فترة مختلفة أمر بها، خلال هذه الفترة كل شيء يخص حياتي معلق، لذا فلم أعد أعبأ كثيراً بتعليق الجمادات، وعدم استكمالها، والحقيقة أنّي أعبأ كثيراً، لكني أتظاهر بعدم الاهتمام. لذا فهذه المقدمة الذكية، تعلن أنّي سوف لن أكمل مذكرات فرح بهلوي. 

سيرة ذاتية

أنثى استهلاكية

لو تم توجيه هذا الاتهام لي قبل سبع / ست سنوات لكنت استأت جداً لأنّي أرى وبكل ثقة: بأنه يلزم المرأة أن يكون لديها دعماً مادياً كافياً، وحتى يفضّل أن يكون لديها السيولة غير المنقطعة، التي تجعلها قادرة على النجاح وحيدة ولاتحتاج مادياً أن تعتمد على أياً كان، فكنت أستاء كثيراً من النساء الاستهلاكيات، اللاتي يهمهنّ الصرف وتبذير الأموال على أمور تافهة، وكنت أراهنّ تشويهاً للجنس الانثوي الذي هو قادر على الادخار والاستثمار والحفاظ على الأموال. وكانت نظرتي في تكوين ذاتي مادياً مهم جداً بالنسبة لي، ويعني لي الكثير، ولانختلف أن نظرة كثير من مراهقات اليوم مشابهة لحد ما، فالانخراط بالعمل، وتكوين الذات مهم جداً كما يبدو. لكن هل نظرتي اليوم مازالت كما هي؟ 

لتوضيح ذلك، لابد وأن فكر بكافة الجوانب التي تحيط بالمرأة السعودية، من خلال التفكر بوضع الخطط المالية التي تتطلب دراسة لسوق العمل. 

  • بداية هل المرأة السعودية قادرة على رسم خطة مالية بعيدة المدى -وأعني أنها تملك القدرة على اتخاذ القرارات التي تتفق مع خطط خاصة بها- وبتجربة شخصية تتفق مع وضع نسبة عالية من الفتيات، أستطيع الإجابة بـ لا. هي غير قادرة على اتخاذ القرار الذي يخص المكان الذي تعمل فيه، ولا التطور في هذا المكان، ولا حتى الوصول لهذا المكان. 
  • ثانياً، في حال كانت المرأة قادرة على رسم خطة مالية بعيدة المدى، ماهي آلية التصرف بالأموال التي ستدّخرها؟ وأيضاً من تجربة شخصية، لا أعلم ما إن كان بالامكان توسيع نطاقها على الأخريات، نظراً لأنّ غالبية من أعرف لديهم صعوبة بالادخار، وخلال نهاية الشهر أجدهم ينتظرون راتب الشهر القادم، لكنّ مالاحظته مع الوقت، أنني أجمع مبلغاً مالياً ضخماً مقارنة بالأخريات، ولكن نظراً لأن وسائل الاستفادة منه محدودة لي بالشراء والاستهلاك، فإن هذا المبلغ الضخم يضيع سدى، بلا استثمار حقيقي، أو أي فائدة تذكر. فتوصلت أن المرأة السعودية بصعوبة تستفيد من المدخرات في حال لم تكن بحاجة ماسة لها (كسداد قروض أو إعالة أهل أو أبناء أو سداد أجار أو … الخ) فالمرأة السعودية المنتمية للطبقة المتوسطة لاتستطيع بمفردها إطلاقاً الوصول للطبقة الأعلى مهما بلغت مدخراتها. وربما هذا السبب توصلوا إليه الأخريات ممن أعرف، ولهذا السبب تحديداً اتجهوا للاستهلاك ولم يتجهوا للادخار.
  • ثالثاً، ماتتحدث عنه المراهقات اليوم عن العمل وتكوين الذات، برؤيتي القاصرة، هو لايتجاوز الترفيه في مدينة تفتقر للترفيه، فالعمل يعني الانخراط في مجتمع مختلف، سفر واستقلالية مالية يمكن تبذيرها بين المطاعم والبراندز العالمية، ويعني انفتاح ورقي وانعكاس لنظرة المجتمع للمرأة العاملة المستقلة. ولست هنا أنتقد، فنظراً للمعطيات، هو حلم الجميع قبل أن تخترقنا فكرة المشاهير التي أصبحت صارت تسبق تكوين الذات.

بالنظر لهذا التفكر -لاأحبذ تسميته تحليلاً لأنه لايعتمد على مصادر- فسأجيب: نعم تغيرت أفكاري، فلم أعد أؤمن بأنه لابد من توفر السيولة الكافية، لأن هذا إرهاق للذات بدون هدف حقيقي فمسؤوليات المرأة في المجتمع سبق أن حددها الذكر وهو الذي يملك القرار النهائي بخصوصها، ومن خلاله سوف تستطيع الوصول للهدف، ولذا لكي تصل هي، لابد أن تتطابق رؤيتها مع رؤية المسؤول عنها لتستطيع التعايش. وبالمقابل أؤمن أنه لابد وأن يكون لديها المبلغ الادخاري الذي تراه مناسباً لاستمرارية الحياة لأي طارئ. 

ملخص التدوينة: استمتعي صديقتي الأنثى بالاستهلاك، فهو وسيلة ترفيهية مضمونة.

أنثى استهلاكية

مو حزن لكن حزين

قبل سنوات تناقشت مع أحدهم، وكان يُعرف هذا الشخص بنظرته السوداوية للأمور، ومن معتقداته هو أن الحزن أساس الحياة، وأن الفرح طارئ فقط، ودليله بذلك: “لقد خلقنا الإنسان في كبد” والكَبَد، هو الشدة والمشقة والعناء. رؤيتي اختلفت عن رؤيته، فنظرتي للإنسان أنه خليط من مشاعر لايفهمها تتشكل حسب الموقف واللحظة ولايوجد ماهو أساسي أو طارئ والمشقة هي التغير الدائم وعدم الاستقرار. واعتراضي ظهر من منطلق اني أكره النظرة السوداوية لأنها تتلف قيمة الحياة وتجعلها بلا معنى، مجرد انتظار للنهاية.

ولكي نفهم أساس النظرة السوداوية التي تتشكل مع مرور الوقت، ودي تتصورون موظف مجتهد وأمين وحريص، انسان وتصيبه تقلبات، لكن مستوى عمله رائع، هذا الموظف يعلم أنه طوال حياته سيظل بهذه المرتبة، لن يرتقي ولن يتقدم، وسيظل من واجبه أن يؤدي أعماله بحرص، بدون مكافآت ولا ترقيات، مجرد راتبه نهاية الشهر. هو يرى حوله الآخرين تتغير مناصبهم وتتم مكافأتهم على انجازاتهم أو محاسبتهم على تقصيرهم. ويحمل في قلبه ذرة إيمان في أن الوضع قد يتغير يوماً ما. هو أيضاً لديه مسؤوليات أخرى خارج عمله، وفي حال خسر عمله فسوف يخسر كل مايحب. هذا الموظف لايمكنه التقديم على أي وظيفة أخرى ولو فعل فربما سيطرد من وظيفته الحالية وسوف يخسر كل مايحب. مع الوقت سيذبل هذا الموظف، وستنطفئ بقلبه شمعة الإيمان بأن تغييراً قد يحصل، سيتدنى مستواه في العمل، وسيغوص في ذاته، ربما حتى يفقد الإحساس الجميل في كل ماحوله أيضاً. 

طيب ليش تحوّل؟ لأنه صار يسعى بدون الحصول على الانجاز الذي يدفعه للأمام، يسعى بدون وصول. وهذا بالضبط كل ما مرتت به منذ أن صرت أعي النظرة القاصرة تجاه الأنثى والتي تجعلها موظف عليه واجبات وبدون ترقيات، مما ولد لدي نظرة سوداوية صرت أنتظر من خلالها فقداني الإحساس بالحياة. وانتشلت نفسي بصعوبة، وأشعلت من جديد شعلة الإيمان أملاً بالتغيير. وهاهي اليوم تحيط بي من جديد، بعد أن صرت أكبر عمراً، وأقل قدرة على المواجهة. فهل سأظل أعتقد أن الانسان هو خليط من المشاعر؟ أم أن الحزن الذي أصابني هو فطرتي، وأن السعادة التي أبذل مجهوداً للوصول إليها هي الطارئ. 

مو حزن لكن حزين