حب أو نصيب

وحدة من الصديقات كتبت في برنامج باث للسوشال ميديا ثوته-فكرة (حيث أن البرنامج يعامل الاضافات الجديدة فيه كأفكار) تعبر عن سعادتها بالمتزوجين الذين يحبون بعضهم وتظهر عليهم المشاعر جليّة.
الأمر الذي زاحم الأفكار في عقلي، وجعلني أفكر بالسبب الذي دعاها لهذه الفكرة، وهل هي فكرة شائعة في أن المتزوجين لدينا تخلو حياتهم من الحب والشغف، أو أنهم لايظهرونه للآخرين (يجحدون) أو أنه غير موجود في حياتهم.

برأيي أن الموضوع ليس سوا اختلاف مصطلحات، وهذه المصطلحات تفضّل حياة على أخرى بسبب هالاتها التي تتكون من النظرة العامة لها. لكي أشرح الجملة السابقة بالتفصيل أحتاج أن أعود للبداية من مرحلة البحث عن الشريك، هنالك هالة ضخمة في آلية البحث عن النصف الآخر في المجتمعات الغربية متمثلة بالأفلام، تجسد هذا البحث بأمر شخصي، قد يتخلله تدخل صديقات أو أصدقاء بحكم انفتاح المجتمع بين الجنسين. وهنا تظهر ضخامة أثر هذه الهالة عندما نرى بعض مشاهير السوشال ميديا من مجتمعنا "يفخرون" باختيارهم لشركاء حياتهم. بينما مرحلة وقرار اختيار الشريك فعلياً وعملياً هو أمر بالضرورة يتوقف عند الشريكين بذواتهم.
ففي مجتمعنا وبداخل أطره الدينية وحتى بعض عاداته، تبدأ مرحلة الزواج ببحث الرجل عن شريكة حياته المناسبة، هنالك بعض الذكور يكونون قد بنو اعجاب مسبق عن نساء محددات. وهنالك بعض منهم، من هو في معزل تام عن النساء كما ذكرت سابقاً بسبب انعزال الجنسين في المجتمع، فهو من هذا المنطلق يسأل ذوو الخبره من معارفه والذي غالباً يكونون امه وشقيقاته او من يثق بآرائهن وقدرتهن على إيجاد الشريكة المناسبة له، وهنا تبدأ مرحلة البحث وطرح الخيارات وسبب الاختيار بناء على تناسب المنظور الفكري والشكلي بين الراغب بالزواج والاقتراحات. وهذا بالمصطلحات الوردية هو مايسمى بالـ match maker. أما القدرة على ايجاد الشريك المناسب، فليس بالضرورة خطأ الفكرة، وإنما هو خطأ الأهل في المجتمعات التقليدية والاصدقاء في المجتمعات المتفتحة (فلاننكر الكثير من الأفلام التي تصور محاولات الربط بين اثنين من قبل اخرين من اصدقائهم ولاتنجح محاولاتهم بسبب عدم اتفاقهم).
وبعد القبول المبدئي للمقترح المطروح/ أو الذي تم طرحه من قبل الراغب بالزواج نبدأ مرحلة ثانية فيحدث مايسمى بـ"الشوفة الشرعية" والتي تقابل بالمصطلحات الوردية بـ"first date". طبعاً في الأولى هي محدوده بأن تكون في منزل الفتاة، ولا تشمل وجبة حقيقية، لكنها تشمل الأركان الأساسية، وهي محاولة لبناء تصور بسيط من التعارف الفكري و الشكلي والذي يفترض أن يحدد القبول أو عدم القبول من الجهتين.
هذا القبول في العالم الوردي يترجم في موعد ثان لتعارف أكثر عمقاً، ويترجم في عالم "النصيب" بإقرار الخطبة وإعلانها رسمياً، والبدء بالإجراءات بشكل رسمي، وخلال هذه الأجراءات قد يتم التواصل الهاتفي بين الشخصين لتحديد سلامة القرار المتخذ. وحتى هذه اللحظة لايوجد ارتباط حقيقي يتطلب الغاؤه اثار سلبية على الشخصين، تماماً كما في العالم الوردي فالأمر يغلب عليه اختلاف في المصطلحات ارتبط بهالات وهمية تغلغلت في دواخلنا.

فهنالك النظرة الجميلة والوردية للحب قبل الزواج، والنظرة السيئة لفكرة النصيب التي تمثله بزواج العميان، بينما في الواقع لايحدث النصيب بين اثنين الا في حال رغبتهمها بذلك (وأنا هنا لا أتحدث عن العنف والإجبار والتزويج غير الشرعي الذي قد يقومون به بعض أولياء الأمور من المجتمع بدون وجه حق وإنما أتحدث عن زواجاتنا وزواجات أمهاتنا وآبائنا ومن هم سعيدون بحياتهم حولناوالذي تمت زواجاتهم بهذه الالية التي يتم التسويق لها بالمتخلفة برأي غالبية الجيل الجديد) ونستنتج من ذلك أن النصيب لايحدث إلا بعد الإعجاب المتبادل والقبول المبدئي، وهذا الإعجاب بالضرورة يتحول لاحقاً إلى حب اذا لم يحدث مايعترضه.
تماماً كما في العالم الوردي.

فالحياة الزوجية في مجتمعاتنا سيغلب عليها السواد وسنطير فرحاً حين نرى بعض السعداء بل وقد نتفاجأ حين نرى الأزواج المتحابين اذا استمرينا نصدق بأن النصيب ليس سوى "شختك بختك". ومن خلال طرحي السابق، أتمنى حقاً أن تكون نظرتنا للأمور واقعية، فلست أؤمن بالفكرة الوردية سواء في مجتمعاتنا أو في المجتمعات الغربية، لكني أرفض المقارنة الشرسة التي تتم بين الزواج التقليدي والزواج مسبق التعارف، فكلاهما يحصل من خلالهما النجاح والاستمرارية ونمو الحب أو موته بداية وأخيراً اعتماداً على الشريكين وكيفية تعاملهما معاً ولاشيء غير ذلك.
وكما يقول دريد لحّام: الحياة حلوة بس نفهمها. يجب أن نرى الحياة الحقيقية التي نعيشها والتي هي ليست سوداء كما يروج لها إعلامياً.

حب أو نصيب

التطرف يميت القلب

مَولانا الطّاعِنُ في الجِبْتِ
عادَ لِيُفتي
هَتْكُ نِساءِ الأرضِ حَلالٌ
إلاّ الأَربعَ مِمّا يأتي
أُمّي، أُختي، امرأتي، بنتي
كُلُّ الإرهابِ مُقاومَةٌ
إلاّ إن قادَ إلى مَوتي
نَسْفُ بُيوتِ النّاسِ (جِهادٌ)
إن لَمْ يُنسَفْ مَعَها بَيتي
التقوى عِندي تَتلوّى
ما بينَ البَلوى والبَلوى
حَسَبَ البَخْتِ
إن نَزلَتْ تِلَكَ على غَيري
خَنَقَتْ صَمْتي
وإذا تِلكَ دَنَتْ مِن ظَهْري
زَرعَتْ إعصاراً في صَوْتي
وعلى مَهْوى تِلكَ التّقوى
أَبصُقُ يومَ الجُمعةِ فَتوى
فإذا مَسَّتْ نَعْلَ الأَقوى
أَلحسُها في يومِ السَّبتِ
الوسَطِيَّةُ: فِفْتي .. فِفْتي
أعمالُ الإجرامِ حَرامٌ
وَحَلالٌ
في نَفْسِ الوَقْتِ
هِيَ كُفرٌ إن نَزَلَتْ فَوقي
وَهُدىً إن مَرّتْ مِن تَحتي
هُوَ قد أَفتى
وأنا أُفتي
العلَّةُ في سُوءِ البذْرةِ
العِلّةُ لَيسَتْ في النَّبْتِ
وَالقُبْحُ بِأخْيلَةِ الناحِتِ
لَيسَ القُبحُ بطينِ النَّحتِ

وَالقاتِلُ مَن يَضَعُ الفَتوى
بالقَتْلِ
وَليسَ المُستفتي

وَعَلَيهِ.. سَنَغدو أنعاماً
بَينَ سواطيرِ الأَحكامِ
وَبينَ بَساطيرِ الحُكّامْ
وَسَيكفُرُ حتّى الإسلامْ
إن لَمْ يُلجَمْ هذا المُفتي

على الرغم من تحفظي مؤخراً على الشاعر أحمد مطر، فصرت أراه متطرفاً من الجهة الأخرى، بتّ أتساءل بيني وبين نفسي عن التطرف، فها أنا أشارك مطر رؤيته بهذا المفتي المتطرف، ومازلت أرى مطر بحد ذاته متطرفاً من الجهة المعاكسة، لكن هل يرى هو ذلك؟ 

بعد بحث بسيط عن التطرف، هو من الفعل تطرّفَ، ويعني ابتعد وصار في أطراف الشياء، والتطرف في الأفكار يعني المبالغة والمغالاة السياسية أو الدينية أو الفكرية. وفعل التطرف يخلق العنصرية والطائفية والإرهاب الفكري. والنقطة المهمة في من يوسم بالمتطرف، أنه غالباً لايرى نفسه متطرفاً وإنما يرى نفسه متزناً معتدلاً ومن في أقصى يمينه وأقصى يساره هم المتطرفون. وتحضر الأسئلة:

  1. هل من حقي أن أصنف الآخرين كمتطرفين؟
  2. هل من حقي معاملة الآخرين كمتطرفين؟

بالنسبة للسؤال الأول، أعتقد أن الانسان يفهم العالم بتصنيفه إلى مجموعات مختلفة تجتمع بصفات متشابهة وتحمل اختلافات جوهرية عند مقارنتها بمجموعة أخرى، فمثلاًتصنيف الحيوان والانسان والنبات، ومن ثم تصنيف الحيوانات إلى حيوانات تبيض، وحيوانات تلد .. وهكذا. فأعتقد أن التصنيف يساعد في فهم الانسان لما حوله، لذا لا أعتقد أن هنالك خللاً في تصنيف المتطرفين داخل عقلي، فعندما أسمع فتوى لشيخ يأمر بقتل نفس مؤمنة بدون وجه حق فمن حقي أن أسجل اسمه كمتطرف، وعندما أقرأ لفتاة تترك دينها وتلحد لأنها أجبرت أن تصلي بالمدرسة عندما كانت صغيرة أو أجبرت على لبس العباية، فمن حقي أن أسجلها أيضاً كمتطرفة. 

لكن هل يحق لي أن أتعامل معهما بناء على هذه التصنيفات التي يفترض أنها تسهّل علي فهم المجتمع وليست لكي تعيقني عن التواصل معه؟ بكل تأكيد لا، فلو كان بالإمكان التواصل معهم فلربما كانا أكثر علماً منّي، فلربما أنه عندما أذيعت فتوى الشيخ إعلامياً كانت مقتطعة، وكان السبب حاضراً لديه، لذا فأنا بهذه الحالة أفهم أكثر، ولربما أن هذه الفتاة تعرضت لمشاكل نفسية حقيقية يصعب عليها إعلانها للجميع قامت بنسبها للإسلام وعليه لم تعي الفرق. ولربما لا، وسأعيدهما هنا لتصنيفي السابق. وفي المرة القادمة قد يكون التواصل أقل عمقاً فقط للتأكد من تأثرهما بالوقت. فأحكامي تجاه الآخرين هي تساعدني في التعرف على المجتمع والتصرف تجاهه وتقبل الآخر أو عدم تقبله، ولايجب أن تظهر للمجتمع بدون تروّي. 

هذا التروي يتطلب منّا الانطلاق من نقطة اتزان، ونقطة الاتزان ليس من الضروري أن تكون مطلقة، بل تعني أنك تعلم أنه على يمينك أشخاص أنت على يسارهم وعلى يسارك آخرين أنت على يمينهم. وجودك داخل هذه النقطة يحيي قلبك وينيره، لأنك في كل مرة تختبره في تعامله مع الآخرين، وتختبر مدى الغرور الذي وصلت إليه ليجعلك متقبلاً أو رافضاً للآخرين حتى ولو لم يشاركونك الأفكار. على عكس التطرف الذي يجعلك تتعصب لرأيك ويخفي عنك قلبك، فيميته مع الزمن. 

التطرف يميت القلب

أنا لا أملك أن أختار

فستاني الأبيض النفّاش، لبسته يوم كنّا متجهين لاجتماع عائلي كبير، كنت بالصف الثالث أو الرابع الابتدائي، وكانت أحد الأمور الرائعة التي كبرت معي، هو أنّ أمي اعتادت أن تترك لي حرية الاختيار بكل شيء ولقد نبهتني أنه سوف يصعب علي اللعب بالفستان، لكنّي اخترت أن ألبسه فلم تمنعني. وفعلاً لم يكن اختياراً مناسباً، حتى أنه تمزق كما أذكر، فكان ذلك الاجتماع آخر محطة للفستان. لكن الأمر الايجابي، هو أنّي مازلت أتذكر حتى هذا اليوم متعتي بارتدائه، لذا في كل مرة تطلب ابنتي أن تلبس لبساً محدداً، لا أعارض على الاطلاق، أذكرها فقط بماهو مناسب وأترك لها حرية الاختيار بالنهاية. ولايقتصر ذلك على اللبس، بل يتعداه للأكل وممارسة الألعاب والقنوات المفضلة… 

يكبر الطفل بالعمر وتكثر الاختيارات ويكبر حجمها وأيضاً يحدث أن تتعرض لعوامل ضغط أخرى بسبب المسؤوليات وأمور أخرى، فاختيارات الشاب لا تكون كاختيارات الطفل، ولا تكون كاختيارات الشخص الذي وصل عمر النضج. لكن الوضع بالنسبة للشابة يختلف كما نعلم عن الشاب، فاختيارات الشابة لا تتأثر بالضغوطات وحسب، وإنما لاتنمو بالحجم ذاته فهي تقارب إلى حد ما اختيارات الطفل بتوسع بسيط.

مما أثار كل هذا بداخلي، هو هاشتاق  في تويتر، و كنت قد اعتزلت تويتر لهذه الأسباب تقريباً، فهو لم يعد منصة إيصال صوت كما كان سابقاً، بل أصبح منصة لتصفية الحسابات. ومن وكان رداً على تقرير الـ CNN للثلاث نساء اللاتي تحدثن عن هجرتهن إلى أمريكا، وبالمناسبة استأت كثيراً منه، وكل ما رأيته هو أنهن قمن ببيع هويتهن الحقيقية (والهوية غالباً تتشكل مع الزمن بتجانس بين الدين والوطن والذكريات، والذي تم توضيحه ببداية الفديو أنهن تركن الإسلام، تخلين عن الوطن، وبدأن حياة جديدة بعمر تجاوز عمر تكوين الذات) ومن غير المنطقي أن يكون أثر هدم الذات بهذا الشكل هو الرضا الداخلي خصوصاً بالنسبة لأعمارهن. والمضحك المبكي هو رد البقية بالهاشتاق #i_choose_to_stay، والذي ذكروا من خلال تغريداتهن أنهن يخترن البقاء في السعودية، ولايطمحن للهجرة. لكنهن نسين أنني عندما أصل لمرحلة أن أملك حرية الاختيار، فسوف تحل كافة مشاكلي. لكن المشكلة العظمى هي أنّي لا أملك حق الاختيار. فالقضية هنا ليست أنّي أود أن أهاجر، أو أود أن أبقى. القضية هي أنّي أود أُخيّر لأختار البقاء، وليس أن أبقى لأنّي لا أستطيع إلا البقاء. القضية هنا أني أحتاج إلى حق الاختيار، لأختار البقاء. #iNeedTheRightToChoose_ToStay

أنا لا أملك أن أختار

الحاجة للبقاء

هل فعلاً هنالك حاجة داخل الانسان للبقاء؟ منذ أدركت الحياة وأنا بانتظار أن أرحل، كل متعتي لحظية، وكل يوم يمر، صار يذكرني بأنّي لا أنتمي، كل يوم صار يقلل رغبتي بالبقاء، هنالك الكثير جداً من الأمور التي تزرع في روحي البهجة، والتي أخجل من الاعتراف بها، كأن أرسم، أو استمع إلى صوت شجي حتى وإن لم أكن أفهم أية كلمة، من أجمل الأوقات التي قضيتها في دبي كان قبل ثلاث سنوات كنت وحدي أتفرج السينما التجريبية في الهواء الطلق وكان العرض لفلم the butler ، في وقت مشابه لهذا الوقت. ومثله قبل أسابيع قليلة في الرياض، عرض بيتشا كوتشا الذي تم تخصيصه عن الموسيقى. أعتقد أن أفضل اللحظات هي التي أنفصل فيها عن تقييم ذاتي وانتقاد الآخرين، هي التي أستلذ بها بالسعادة الحقيقية.

كما يعرف الجميع، في الرياض تقتصر وسائل الترفيه المتاحة طوال السنة على الأكل، هنالك المعارض والفعاليات الفنية والأمور التي تستهويني، لكنها لاتكون متاحة دوماً. أن تعيش في الرياض يعني أن تعيش في سجن كبير، وهذا السجن إما أن يكون بيتك في حال كنت تكره زحمة المواصلات (فلامجال للمشي اطلاقاً) أو يكون بيتك بالاضافة لعدد من البيوت الصديقة. والمشكلة في المدينة لاترجع فقط للجمادات، حتى الأشخاص تراهم يتصرفون بشخصيات مختلفة عن تصرفاتهم خارج الرياض. غالباً ما يكونون حقيقيين أكثر. وليس تصرفاتهم فقط بل لديهم القدرة على تعديل الآلية التي يتم فيها بناء أفكارهم، فبمجرد دخول الرياض، حتى يتحول كل شخص للوصي المسؤول عن الآخر الذي يرى أنه له الحق أن يقرر ويتصرف وينتقد أدق التفاصيل للآخرين، فالعازب لابد أن يتزوج والمتزوجة لابد أن تنجب والأم لابد أن تشكل فريق كرة من الأبناء، ومن لايعمل لابد أن يعمل ومن يعمل لابد أن يجد عملا أفضل. فلامجال للشخص للتفكر في حياته، طريقه مرسوم بين أيدي الآخرين، فمثلاً مما واجهته كثيرً خلال تربيتي لابنتي ذات الثلاث سنوات، هو انتقاد العديد من الأوصياء لي حين أسمح لها بتناول الشبس أو الحلويات الملونة ادعاء أنه أكل غير صحي أو نظيف أو….الخ . وبالمقابل، نجدهم يستمتعون بل ويفخرون حتى بزياراتهم لمطاعمهم المفضلة في حين يعلمون انعدام مستوى النظافة في مدينة الرياض مقارنة بغيرها من المدن! حتى أني بنفسي وجدت شعراً في أكلٍ طلبته من مطعم Eataly المفتتح مؤخراً. فأين مستوى الصحة والنظافة؟ أم أنه معيار يتم تخصيصه حسب الاحتياج؟ هذا كله بالإضافة لتحاملي على هذه المدينة الكريهة وماتحمله من نفاق وحياة مبتذلة، سطحية وكريهة لأبعد الحدود.

أشعر فعلاً بالتعاسة، وحتى مع سخافة الأسباب التي تشعرني بالتعاسة، إلا أنّي لم أستطع الخروج منها. بل إنّي أراها تلتهمني يوماً بعد يوم، فقد بدأ كل هذا بالصدمة، ثم محاولة التغيير، ومحاولة التعايش، وأخيراً اليوم انتظار الرحيل، لا أنكر تخلل ذلك كله لحظات سعادة لاتطول، وماتلبث أن تقتل بكلمة أو عبارة أو حتى تصرف. فأين حاجة البقاء في كل ذاك؟

الحاجة للبقاء

البنت الاستثنائية

تقلقني كثيراً فكرة التربية، ليس لأنّي أود أن أخلق شخصاً استثنائي، لكن لأنّي أم لبنت، ربما لاترون أي مشكلة في كلمة “أم لِبنت” لكنّى أرى سيناريو مزعج قد يتكرر. لتفهموا ما أقصده هو أنّي كنت بنت، وكنت بنت استثنائية، ذكية، واعية متفوقة، والأهم أنّى كنت سعيدة جداً، وهذا في المرحلة مابين الابتدائية وحتى المتوسطة، كان والديّ يدفعونني للأمام وكأنه لايوجد نهاية للطموح، وكأنّى أقدر على تحقيق كل ما أريد. وكنت أقدر. لكن بمجرد وصولي للثانوية – وفي تلك الفترة المدرسة والاجتهادات تقتصر على الاختبارات والواجبات فلايوجد أنشطة لامنهجية تذكر- وظللت محافظة إلى حد كبير على مستواي العالي، بل أنّي تخرجت من هذه المرحلة بترتيب الـ ١١ على مدارس المملكة، وبنسبة 99.4٪. ولم يقتصر ذلك على الجانب الدراسي، بل أنّي أوجدت أنا وصديقة لي بتلك الفترة معدل التناقص الطولي للإنسان اعتماداً على طول آدم عليه السلام وحتى اليوم باستخدام المتسلسلات الرياضية. وخلال هذه الفترة بذل أهلي كل الجهد الممكن لأصير شخص ناجح، لكنهم كانوا يحملون كغيرهم -ومثلي الآن- بعضاً من تناقضات المجتمع -والتي هي أقل بكثير في ذلك الوقت- وصرت ناجحة. وبرز اسمي في أماكن عدّة، وصرت أقدر على الوصول، لكني لا أملك قرار القدرة. وأصبحت في كل مرة لا أقدر حتى ذبلت قدرتي وذاب بداخلها قرارها. صرت انهزامية، استسلم كثيراً وبسهولة. تخرجت من الجامعة بتقدير جيّد ومع ذلك حصلت على ابتعاث استثنائي نظراً لجهودي اللامنهجية، ومع ذلك رفضته على مضض نظراً لأنه لايوجد من يرافقني، أنا هنا لا ألوم أهلي على عدم تفرغهم لي، لكني ألومهم على أن جعلوني أطمح وأبذل كل الجهد لأكون شخصاً استثنائي في مجتمع لايقبل المرأة الاستثنائية. وأيضاً ألومهم اليوم حين يستشهدون بمن وصلت لأنها فقط أتيحت لها فرصة الوصول. تخرجت بتقدير جيد، وأنا أعلم أنّى كنت أستطيع التخرج بتقدير ممتاز، ولأثبات ذلك، لم يمضي أشهر حتى قدمت على الماجستير وحصلت عليه بتقدير ممتاز، لكن هل توجد أي أهمية لذلك؟

بعد التناقضات العدّة والمحاولات البائسة للطموح علمت كيف أتعايش مع المجتمع، كيف أغير الروتين القاتل في كل مرة، كيف أنّي لن أصل لأعلى من مستوى معيّن مهما بذلت ومهما حدث. وخلال ست سنوات فقط منذ دخولي الجامعة، صرت أملك شهادة بكالريوس، وشهادة ماجستير وسنتين خبرة. وبفضل الله ثم بسبب كل ماسبق صرت ما أنا عليه اليوم، وأنا معجبة جداً بماوصلت له، بالاستقرار العاطفي والعقلي والفكري، لذا أنا سعيدة جداً بكل مامضى، وسأظل، لكن مايقلقني كثيراً، هو أنّي كنت بنتاً لاتملك قرارها، وأصبحت أماً لاتملك قرارها، ولا قرار ابنتها، ومع ذلك تحاول أن تخلق بنتاً استثنائية من جديد. آمل كثيراً أن لا تأمل كثيراً كما كنت أفعل. لأنّى سأموت مرتين لو صارت تقدر وتريد أن تقدر ولكنها لاتملك قرار القدرة. هل اتضح الآن ماذا يعني أن أكون “أم لبنت” ؟

البنت الاستثنائية

أتمنى تفشل.

يكفيني تشوفون لحد الدقيقة ( 1:52 )، هذي جزء من حلقة رقم ( 6 ) في الموسم ( 10 ) والأخير من المسلسل الرهيب Friends هذا المسلسل الخرافي اللي ظل متمتع بنفس قوته ويقدر يفاجئني ويخليني أضحك كل مرة أتفرج عليه! في هذا المقطع يظهر Ross ( الشخص في المنتصف وهو يمثّل شخص دكتور في علم المتحجرات ( الديناصورات ) ) وهو يحاول الحصول على منحة في دراسة يقوم بها، ويصادف أن الشخص الذي يقوم بمقابلته هو الحبيب السابق لحبيبته الحالية، ولهذا السبب كان يسأله أسئلة مالها علاقة. عموماً مب هذا موضوعنا، وماله أي دخل إطلاقاً باللي راح أتكلم عنه. لابد وأن نتفق على المعطيات عندنا:

  • ثلاث أشخاص متكافئين إلى حد ما يطلبون القيام بتجارب مختلفة
  • شخص يقيّمهم بناء على السلطة الموكلة إليه، فإما أن يوافق على قيامهم بالتجربة أو يمنعهم
  • فشل ونجاح التجربة بحد ذاتها يعتمد ١٠٠٪ على قدرات المتقدمين

السؤال: هل تعتقدون إن روس راح يكره ويحقد على هذا الشخص اللي سأله أسئلة لا تتوافق مع المكان بالتالي منعه من القيام بالتجربة؟
الجواب يفترض يكون: أكيد.
وفي حال شككت بالإجابة فأعتقد إننا راح نختلف، ويسعدني أن تشاركني رأيك المخالف.
لو طبقّنا ماسبق على مجتمعنا السعودي، واعتبرنا المُقيِّم هم الأشخاص اللي بيدهم السُلطة، وروس والشخصين الآخرين هم الأشخاص الراضخين لهذه السلطة، وفيه اضافة بسيطة هو عشان ننقل الفكرة بشكل سليم أكثر، وهي وجود علاقة محبة ومودة بين صاحب السلطة والراضح للسلطة في الوضع الطبيعي. فلما نرجع نعيد الموقف ويتصرف المقيّم نفس التصرف، يصير روس مايقدر يكره هذا الشخص لكن اللي يقدر إنه “ينقهر” من الشخصين اللي راح يقومون بالتجربة. ومع مرور الزمن، ورؤيته وملاحظته للشخصين أو واحد منهم كان ناجح نجاح باهر، يتحول القهر إلى حقد أو حسد تجاه هذا الشخص فقط لأنه ما أتيح له محاولة النجاح أو الفشل.

فلما نطلب من شخص إنه يكون متفائل وناجح في بيئة إلى حد مٌا تقيده، فالنتيجة لابد وأن ترتبط إلى حد كبير بالبيئة هذي، وبالأخير إذا البيئة ما خلته يجرب حتى، فماراح يدري إذا بيكون ناجح أو لا، ولما يشوف الناس حوالينه ناجحين، وهو يعتقد أنه يقدر يكون ناجح أكثر منهم، بسبب افتقاده للتجربة، تتراكم هذه المشاعر لتحول هذا الشخص إلى شخص سلبي، فممكن يلوم نفسه ويتحول إلى شخص انهزامي ، وممكن يلوم المجتمع ويعتقد أنه ضحية وفي كل الحالتين ممكن أن يتمنى الفشل للآخرين اللي قاعدين حالياً يعيشون حلمه. ولازم أوضح هنا، أن تمني الفشل للآخر، عبارة عن شعور داخلي للشخص قد يكون إرادي أو لا إرادي بناء على قدرة الشخص على ترويض وجهاد نفسه، وأن تجاوز هذا الشعور للفعل ( سواء تصريح أو فعل ) ينقله من أمر يخص صاحبه، إلى أذى للآخرين، وهذا مرفوض كلياً.

ويتحول السؤال الآن إلى هل يحق لـ روس إنه يكره الشخصين اللي تقدموا معه؟
الجواب: لا أدري، لكن الواضح إنه راح يجاهد نفسه ليكون شخص متفائل ويحافظ على طموحه من الانكسار ويمنع نفسه من التحول لشخص إنهزامي وضحية أكثر بكثير من الشخصين الآخرين، اللي حتى لو فشلوا بتجاربهم وماتت طموحاتهم، كان عندهم القدرة باختيار التجربة اللي يودون أن يخوضوها.

وننتقل للسؤال المهم جداً، هل هذا كله مبرر للحقد أو الحسد؟ وهل عادي نتحول إلى أشخاص انهزاميين؟
لا أبداً، ولو نكمّل الحلقة، نلاقي روس ضحّى بشغله عشان يقدر ياصل، فالنجاح هو الذكاء باستغلال الفرص المتاحة للوصول لغير المتاح، وهذا ممكن يخلي الشخص يبذل جهود مضاعفة وهو يشوف اللي حوالينه يبذلون جهود أقل بكثير ويصلون لنفس النتيجة، وهذا ممكن يكون غير عادل. ولكنها الحياة.

أتمنى تفشل.

باريس، فينيس، وميلانو

كان عندي فستان متموج بين الفوشي والأزرق والكحلي، نوع القماش متموج والا الفستان مافيه أي شي غريب ناعم جداً وبسيط، هذا التموج كان يبهرني، وبصعوبة شديدة تخليت عنه وطلعته، في أحد المناسبات اللي لبسته فيها كان فيه وحدة لابسته نفسه، ومااستأت أبداً! بالعكس كانت ردة فعلي، شفتوا انه شي منتشر؟ مايضايقني على الإطلاق أن أتشابه مع الآخرين بالشكل الخارجي إذا كنت مرتاحة، لكن بالمقابل أستاء كثير إذا تشابهت مع الناس بتفاصيل الحياة، أحب تكون روحي متميزة، فكنت أشوف إنّي متميزة بهالجانب. اليوم قعدت أتأمل بهذي الفكرة أكثر، هل فعلاً أنا أبي تكون روحي لابسة فستان ماأحد لابسه؟ هل لهذا السبب أحتاج التجديد الدائم والتغيير؟ هل هو حب للتميز والتفرد؟ أو إنه مجرد عدم ثقة بالدارج؟ فمثلاً لما يفتح مطعم عالمي والناس تُعجب فيه كثير أعجز أختاره، أولاً بسبب الزحمة الشديدة اللي غالباً تصاحب الأشهر الأولى من الافتتاح، وثانياً لأنه مشهور حالياً فهو غالباً مب بالمستوى. وهذه الفكرة عندي تنطبق على غالب الأمور ومب بس المطاعم.

كل هذي الأفكار بدأت تتسرب لمخي وأنا أتصفح صوري لباريس، فينيس، ميلان، ولندن وطبعاً هالكلام يشمل كل المدن الكبيرة زي نيويورك، وبرشلونة وغيرهم مدن كبيرة وعالمية وفي أول قوائم مدن العالم التي تستحق الزيارة، لكن هل هي فعلاً تستحق الزيارة؟ تجربتي بأول مدينتين فاشلة، وبالثالثة لطيفة والرابعة جميلة، والباقي ماعاد تحمست أزورهم كثير. ولما أرجع لكلامي أشوفني قلت تجربتي، فهل فيه مسلّمة تقول إن المدن هذي إما تكون رائعة وجميلة، وبالتالي في حال كانت غير ذلك يصير السبب بتجربتنا؟ أعتقد لا، طالما هذا الصيت العالمي الكبير المنتشر عنهم وعن جمالهم ووجوب زيارتهم، يخلي أي تجربة يفترض تكون لطيفة على الأقل. وطالما تجاربي ماكانت جيدة يخليني أفكر، هي ليش صارت مدن عالمية تستحق الزيارة؟ ( بالرغم من أنّي استمتعت جداً، لكن يستحيل أن أعيد الزيارات مجدداً )

أعتقد الجواب يمكن تقسيمه لعدة جوانب:

  • بداية لابد وأن لاأتجاهل القوة السياسية للبلد بين دول العالم. فأنا أتحدث مثلاً عن فرنسا، ايطاليا، بريطانيا، وأمريكا .. دول العالم القديم والعالم الحديث! فهذي المدن هي عيال الشيوخ. لكن ليش هذي المدن ومب مدن ثانية طبعاً هو يعتمد على المدينة اللي تبرزها الدولة، وتسليط الضوء سهل جداً، بالفنون أو المعالم والمتاحف وغيرها.
  •  من ملاحظاتي على الناس (مب انتقاد وإنما مجرد ملاحظة لأن كل شخص حر بتصرفاته) إنه مجموعة كبيرة يسافرون ويغلب على صورهم أكواب قهوة بلاستيكية لستاربكس مثلاً أو غيرها من القهاوي المعروفة. هل أسافر عشان آخذ قهوتي بشكل سريع بهالشكل؟ أعتقد إن انتشار هالشغلة إلى حد ما، هو رغبة بإننا نعيش حياة الأفلام، الحياة العملية في هذه المدن حتى لو كنّا في زيارة لها. فيه عندنا تصورات بنتها الأفلام واللي غالباً تكون فيها باريس وفينيس مدن رومانسية، ولندن ونيويورك مدن عملية … وهكذا، فلما نتوجه لكل مدينة يكون باللاوعي عندنا هذا التصور، فنظرتنا ماتطلع من حكمنا على المدينة بقد ماهي بإننا نعيش اللاوعي.
  • الشغلة الثالثة راح أبدأها بإعلان المشاهير عندنا عن شي أو مكان، نصير نتوجه له أو نرغب بالتوجه له إذا كان هالشخص يعجبنا، وإذا هالشخص يعجبنا جداً ونثق بذوقة، قبل مانجرب المكان أو الشغلة عندنا غالباً الانطباع الجيد. يعني حتى لو ماكانت الشغلة مررة رهيبة، راح تكون إلى حد مّا مرضية، وراح نحب فكرة إننا جربناها وتعطينا شعور ان حياتنا تشبه حياة هالشخص هذا. من نفس المنطلق بس على بُعد أكبر، يجي العالم، إذا كان روّاد العالم موجودين بهذي الاماكن وأول الاصدارات نلاقيها هناك، فكأنهم مشاهيرنا اللي يعلنون عن مكان او شي..

كل التحليل السابق ليس للحكم على المدن بجمالها أو قبحها، لكنه يلغي مسلمة وجوب زيارتها والوقوع في حبها. ويجعلها تتساوى مع فستاني المتموج الذي بدون حتى براند.

باريس، فينيس، وميلانو

فلسفة الحياة

 

 درست ونشأت في مكان يعتقد أن الحب بين الجنسين أمر شائن، وسيئ ويجلب العار، طبعاً لم يكن هنالك تركيز على أن هذا الأمر يقتصر على الأفعال لا المشاعر، ولم يكن هناك استثناء للأزواج. وزي دعايات الجمال التي توحي إن الشكل هو المهم برسائل للاوعي، كان هنا دور اللاوعي كبير في تهميش قدرة اللاحب في إفساد القلب، وترسيخ رسالة سذاجة المحب بشكل عام بلا تخصيص.

ولأني أعيش بعالم إلى حد مّا متناقض، أو عشان أكون عادلة هو مجتمع متناقض ببعض تصرفاته، فحدسي كان يخبرني دائماً أن المحبة بين الزوجين ضرورية، وبالمقابل المجتمع كان يخبرني أن المحبة فعل ساذج لايفعله العقلاء. لذا كنت أرى الزواج كشكل من أشكال التناقض المرفوضة لدي. بل ذهبت لأبعد من ذلك فكوّنت شبه مقارنة بين العقلانية والعاطفة، حيث تجسد العقلانية الذكورية البحتة، والعاطفة الأنوثة البحتة، فارتبطت بعقلي الأنوثة بالسذاجة من خلال العاطفة. والذي علمت ومازلت أتعلم بأنه يحتوي أخطاء عديدة ابتداءاً من الأصل.

وأود أن أوجه رسالتي لذلك العالم الذي أبهرني، والذي آمنت به، والذي أراه اليوم مجوفاً، لتلك النظرة المتطرفة يميناً أو يساراً، الحب  شيء مقدس قمتم بتشويهه خوفاً من فعل المنكر، فامتلأت قلوبنا وفسدت بدون رغبة منكم لكنه نتيجة متوقعة لعالم متناقض ارتبطت فيه المحبة بالبغض. وأشكر الله الذي كرمني بفضله أن أحياه بقلبي وأعاد لروحي الانتعاش، أعاد لروحي الاتزان، فإذا كان الاتزان سر الحياة، فالحب هو سر الاتزان. أن تحب يعني أن يكون لديك صديقاً وأباً وأماً وأختاً وأخاً، أن يكون لديك مرشداً روحياً تثق به، أن يكون لك قدوة وهدف ورغبة، الحب شغف والهام، هو اختلاف وانصات وانصياع رغم الاختلاف، هو تضحية نابعة من القلب لا العقل. هو سموّ وارتقاء. هو ضرورة من ضرورات الدين، من ضرورات العاطفة، وحتى العقلانية. هو فلسفة الحياة. هو الحياة.

فلسفة الحياة

أنا في بريطانيا

“أنا في بريطانيا دولة مستقلة، نمشي علي قدمين، نشتاق إلى أوجاع احتلالها ونهفو إلى المعركة من جديد، لست سعيدا لأني بعيد عن صدى آهات المعذبين لأني احمل آهاتهم في دمي، فالوطن الذي أخرجني منه لم يستطع أن يخرج مني ولا أحب أن أخرجه ولن أخرجه.” 

– أحمد مطر.

على الرغم من محبتي لأحمد مطر، إلا أنّي أرى ضعفاً في كل من يكتب عن تخاذل العرب ويعيش في دول غربية أبعد ما تكون عن العرب.  أتفهم كثيراً جرأة الطرح لديه وغيره التي جعلتهم يُطردون من ديارهم، ولا أستنكر هنا عدم بقائهم، لكنّي استنكر كثيراً لجوءهم للغرب. فماذا تركوا للمتخاذلين؟ 

نزار قباني، محمود درويش، جبران خليل جبران، ايليا أبو ماضي، وغيرهم الكثير من الشعراء الذين يفيض شعرهم عروبة وكلماتهم قوة وجمالاً إلا أنه مزعج، أن يحوي أدبهم فراغاً وتناقضاً غير مفهوم، فالتناقض الحاصل – من دعوة للنضال – بنظري يشبه كثيراً بعض المشايخ لدينا الذين ظلوا لفترة طويلة قبل أن تتأزم المواقف يدعون الشباب للجهاد ولايجاهدون، فأكبر الكتاب والشعراء العرب يدّعون العروبة ويدّعون الانتماء ويدْعون للنضال وعدم الاستسلام ويتحاملون على الحكام العرب وهم أول المستسلمين والذين وجدوا الراحة والاستقرار في بريطانيا، فرنسا، وأمريكا.

الحقيقة أنّي استأت كثيراً وزعلت لأنّي صدقت كلماتهم وحبيتها وكانت في يوم مّا محفز لي لأنتمي. دعوني لا أضخم الأمر، فأنا لم أنتمي وأصنف نفسي عربية وأفخر بهذا التصنيف إلا بعد أن تقطعت بي طرق الاستسلام والانتقال للحياة الأريح، ففلسفتي كانت أن الحياة واحدة وقصيرة، فليش نضيعها بتهيئة الحياة للآخرين من بعدنا؟ نعيش وهم يعيشون. ونعيش يعني نختار المكان الميسر والمسهّل للحياة. لكني لم أكن قادرة على تطبيق هذه الفلسفة مما ربطني بالمكان، وأجبرني على الانتماء. صرت أحب المكان، صرت أبحث عن المكان الميسر داخل أطر الانتماء. أحببت الانتماء كثيراً، وهذا السبب بالذات جعلني أتفكر ممن ينتمون وقد تجردوا من المكان كلياً! كيف لهم أن يفعلوا ذلك؟ وكيف لهم بعد ذلك أن يتحدثوا باسم المكان. كيف لهم أن يقرؤوا ويعالجوا حتى إصابات المكان من الأعلى؟ مخزي ومخجل ومزعج أنّي صدّقتهم في الوقت الذي لم يصدقوا فيه مع أنفسهم.

أنا في بريطانيا