ذات مبدأ

لمّا يتغير الزمن بسرعة يصعب علي مواكبتها، هنا أوقف شوي وأراجع نفسي وأتفكر في الفرق بين أن أكون إمّعه أو أكون ذات مبدأ؛ طبعاً الأولى يعني أن نماشي المجتمع بدون تفكير في الصح والغلط والمهم أن نكون زي الناس، الثانية يعني أن نتمسك بأفكارنا وتوجهاتنا، ولانعتبر للزمن. بهالمفهوم الثانية أفضل بكل تأكيد، لكن المشكلة هي إن بعض مبادئنا عبارة عن عادات مافكرنا فيها، وهذا السبب اللي خلاني حالياً أعيش التناقض لما أشوف متمسكين بمعتقداتهم بدوا يتخلون عنها بسهولة، هذولا الناس خلوني أفكر بنفسي وهل راح أتخلى عن معتقداتي أنا بعد؟ هل يسوى إن الواحد يتمسك بشدة في هذا الوقت؟ أو يتراخى ويكون ليّن تحسباً للتغيرات؟

 أعتقد هالسؤال راح أجاوبه بكرا إذا كبروا عيالي وصار فيه فرق أجيال وصاروا يطالبوني بمستنكرات حالية، هل راح أصير ذات مبدأ  أو لا؟

ذات مبدأ

كَبُرت 

لا أستطيع منع نفسي عن انتقاد الآخرين، طبعاً بقلبي، الصراحة أنّي لا أرغب بمنع نفسي، لأني دايماً أشوف إن هالانتقادات والحوار مع النفس يجعلني أنتبه وأتأمل وأتفكر أكثر. 

رأيت قبل فترة بنت من الخلف ترتدي عباية وهي شفافة قليلاً وبيّن تحتها “بَدِي” مرتفع قليلاً وجينز. البنت مااهتمت أبداً للعباية ولا للحجاب، فقد سقط عن رأسها كم مرة وأعادته بحيث تخرج جزء كبير من شعرها. كل هذا لم أنتقده في نفسي. ولكنها عندما استدارت اكتشفت انها مب بنت، وانما امرأة كبيرة وقد ظهرت على ملامحها التي امتلأت بالبوتكس والتغييرات الأخرى التي شوهتها وأخفت ملامحها الحقيقية وبتّ أتأمل أمرين:

– أولهما: كيف يشوه الإنسان نفسه من أجل أن يعتقد أنه أصبح جميلاً، وحتى لو جمّل نفسه فهل حقاً سيرى نفسه جميلاً؟ أعتقد أنه يستحيل على الشخص أن يرى نفسه جميلاً حتى لو عدّل مليون تعديل. فالجمال هو أمر داخلي، وأما التفاصيل الخارجية فهي إضافية ويستحيل أن يصل بها الشخص للكمال. فإن لم ترى نفسك جميلة كما خلقك الله فلن تراها جميلة إطلاقاً. الفكرة بالجمال برأيي هي القناعة وحب الذات، فعندما تحب نفسك سترى مايراه من يحبك وتغض بصرك عما هو بشع أو تتعايش معه.

– الأمر الثاني وهو المهم، صحيح أن عمليات التجميل والعباية اللي شكل والـ”بدي” والجينز يمارسنها كافة النساء بدون عمر محدد، لكنّي أحسها تصرفات مراهقات، يحاولن إثبات وجودهن للعالم ومن حولهن. وهذا مادعاني أتساءل: هل حقاً هناك تصرفات نكبر عليها؟ هل البنت لما تفاجأت انها عجوز متشببة حكمت عليها بالسطحية لأنها تخاف من تجاعيدها وتحاول تخفيها؟ هل هي سطحية فعلاً؟ هل ممارسة الحياة كل عمر بعمره يجعل أرواحنا تشيب لما احنا نشيب؟ 

صراحة وكإجابة لكل ماسبق: لا أعلم. 

كَبُرت 

بيضة مسلوقة

لمّا أطفش من نفسي وأتوقف عن رؤية الجمال في العالم، تنتشلني أغنية ونادراًكتاب عندما أكون غايصة لحد الغرق بالطفش. أحد المرات انتشلتني كلمات زياد الرحباني وألحانه وصرت أتنقّل بين أغنية إنْ صحّ تسميتها بالأغنية، وأحب أن أتذكرها كمقاطع صوتية تنقلك لعالم مختلف تماماً من الجمال، الجمال ذا الروح المتعبة الذي يكافح من أجل التقدم البطيء جداً بالحياة، الذي يعي أن مشاكله أقل بكثير من مشاكل غيره فيحاول متجاهلاً هذا الحزن ليغرق في التعاسة ويتجاهلها أيضاً ليعيش ساخراً يسعد بسخريته من تعاسته فيصل لحد الاتزان. وهو مايعرفه البعض بالفن: أن تحاول أن تنقل صورة تخيليه لإحساس حقيقي جداً. 

يقول زياد الرحباني: 

عايشة وحدا بلاك، وبلا حبك يااا ولد! حاجة تحكي عن هواك، ضحكت عليك البلد! بتحبااا ايه بتحباا لكن هيّ فيك يا إما بلاك .. عايشه وحدا بلاك وبلا حبك ياولد.. شو الله بلاك ياولد.. قالت لك دوّبني ودوب، دبت وهيّ مادابت.. شو صار لعقلاتك .. 
وهذي الكلمات أجمل، يقول:

بما إنّو كل شي نظيف بما إنو شفنا عفيف، وبما انو شغلي خفيف، والحالة مابعرف كيف، بما انو العيشة سودا ومش بيضا، اجتمعنا وقررنا نسلق بيضه!

هذي العيشة بالنسبة لي الحين: بيضة مسلوقة. الوصول لهالدرجة من الفن، يستدعي انك تمر بكل أنواع الفنون، بالضبط زي لمّا ترسم تشكيلي، أؤمن انه آخر أنواع الفنون اللي ممكن الشخص يمارسه .. عاد للأمانة أحب البيض المسلوق.

بيضة مسلوقة

“بما فضّل الله بعضهم على بعض”

منذ مدة طويلة وأنا أتفكر بالآية: “الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض” ودايماً لما أراجع نفسي، أعتقد إن الإسلام مستحيل يقلل من قدر أحد أو يخليه يعتقد إنه أقل، إجمالاً مستحيل يؤذي قلبه. وغالب التفاسير تبدأ أقوالها بـ كرم الله الرجل عن المرأة بأن جعله أكمل عقلاً. أحس مؤذية وموجعة لي هالعبارة. هل أنا فعلاً أقل عقلاً من الرجل؟ هل أنا أقل من أن أتفكر أو أقرر أو أدير أو أعمل أو أربّي؟ هذا مناقض للواقع، فأجد من جهتي أن المرأة أم ومربية، وعقلها يزن ألف بلد، وهذا يفسر أن وراء كل رجل عظيم أمرأة. هالامرأة هي أم أو أخت أو زوجة، وغالباً هي سبب نجاح الرجل. كيف تكون من هي أقل منه عقلاً وحكمة سبباً في نجاح من هو أعقل وأحكم؟

مؤخراً سمعت عن تفاصيل علمية تبين الاختلافات بين عقل الرجل وعقل المرأة، فعقل المرأة متشابك، مترابط، مرتبط مع جسدها بالكامل.. مما يجعله تحليلي، ودقيق جداً، وعاطفي جداً. فنراها تندمج في مجالات الفنون، والبرمجة، والسكرتارية وغالب ما يتطلب التحليل والتنظيم والدقة. ولأن المرأة بشر فقد يكون مخها أقل انثوية وأكثر ذكرية مما يجعله أقل تحليلاً وأبعد نظراً.
بالمقابل فالرجل عقله مقسم ومفصّل، وأكثر مايشابه هو العلب، حيث كل علبة تحتوي موضوع بحد ذاته. مما يجعله قادر على الفصل بين المواضيع، وقادر على تكوين نظرة ذات بُعد. هذا التكوين يجعل الرجل يبرز في الإدارة والقيادة. فالرجل قادر على توزيع المهام ومتابعتها بدون النظر بتفاصيلها. وأيضاً لأن الرجل بشر فقد يكون مخه أقل ذكرية وأكثر انثوية مما يجعله أكثر تحليلاً وأقل بعداً.

النظرية السابقة لعقل المرأة والرجل انتشرت قبل ١٠ سنوات تقريباً في برامج السوشال ميديا. مما جعلني أعيد التأمل فيها، وأرى أن الرجل ليس أكمل من المرأة، والمرأة ليست أقل كمالاً من الرجل، كلاهما ناقص، وكلاهما مكمل للآخر. وهنا تجلّت لي الآية: “بما فضّل الله بعضهم على بعض”. فالإسلام لم يقلل من مكانة المرأة على الإطلاق، لكنه يشير للواقع الحقيقي، فالرجال قوامون، والقوّام في معجم المعاني الجامع والوسيط هو متولي الأمور. فالرجل قوّام لبيته ومتولٍ أمورهم لأنها طبيعته التي خلقها الله بها.

هذا التأمل جعلني أعدل عن نظرتي في وجوب المساواة بين الرجل والمرأة، وذلك لأن لكل طبيعته، لكن مايجب فعله هو العدل بين الجنسين وذلك بأن يترك الاختيار لصاحب الشأن ذكراً كان أم أنثى أن يختار. وفكرة الحاجة للاختيار سيكون عنواناً جديداً لتدوينة جديدة.

أخيراً، أتذكر قول الإمام الشافعي: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”.

“بما فضّل الله بعضهم على بعض”

طيّارة من ورق

انا بعشق البحر..علشان زيك يا حبيبى حنون..
وسعات زيك مجنون..
ومهاجر ومسافر..
وسعات زيك حيران ..
وسعات زيك زعلان وسعات مليان بالصمت
انا بعشق البحر
انا بعشق السما
علشان زيك مسامحة..
مزروعة نجوم .. وفرحة .. وحبيبة ..وغريبة
وعشان زيك بعيدة

هذي هي اغنية النهاية لفلم “طيّارة من ورق”، شايفين قد ايش بسيطة وجميلة ولطيفة؟
الفلم بسيط ولطيف بس مايمر، مؤلم شوي. مؤلم لأنه حقيقي جداً. الفلم نقدر نقول انه لحظات تجسد ضيعة “دير ميماس” الدرزية في الجنوب اللبناني على الحدود مع اسرائيل. وداخل هالأحداث فيه بنت اسمها لميا كانت تلعب بطيارة ورقية ومن هنا يبدا الفلم.

الفلم عام 2003 من إخراج المخرجة اللبنانية رندة الشهال، حصل على خمس جوائز أربعة منهم في ايطاليا وواحدة في بلجيكا. أبرز الممثلين زياد الرحباني، وحسب معرفتي إنه الفلم الوحيد له. باقي أعماله مسرحية أو كتابات وأغنيات وألحان.

يستاهل ساعة ونص مشاهدة، في حال كنت تستمتع بأقل قدر من الآكشن وأكبر قدر من الواقع.

طيّارة من ورق

قواعد العشق الأربعون

في الوقت الذي أحس فيه بالضياع النفسي والفكري، وجدتني أقرأ قواعد العشق الأربعون، اعتقدت من عنوانه أنه كتاب آخر تافه يتكلم عن الحب والغزل والعشق ورغبت بقراءته لسبب واحد فقط، وهو “أنه سخيف كفاية لأنهيه بيوم واحد” وأضيف لمشروعي الذي تأخرت فيه كتاباً جديداً. لكنه فاجأني وصفعني أيضاً ففي الوقت الذي كنت أعتقد أن التصريح بالعشق هو أمر تافه، وجدته عميق جداً في هذه الرواية، فهي تحكي مسارين للعشق، الأول بين الإنسان وروحه ومدبّر أمره، والثاني بين قلبين بشريين، فكانت الثانية تغلف الأولى ربما لتجعلها أكثر جاذبية، لا أعلم حقاً. لكنّي كما إيلا كنت كما علمني مجتمعي أسخر من مشاعري وأحاول جاهدة التفكير بمنطقية وعقلانية وذلك لأطفو وأرتفع عن قلوب البشر، لم أعرف أنني كنت أطفو بجسدي فقط وأنا أترفّع عن الاعتراف بهذه المشاعر.

حقيقة الأمر أنّي لا أقرأ، ولكن إن أعجبت بكتاب فستجدوني أقدسه حقاً. لذا قد تكون نظرتي مرتبطة بكوني قرأته بالوقت الذي احتجت لقراءة كتاب عميق مثله.

مما قرّبني للتفاصيل كثيراً هي السلمية التي تتمثل بروح شمس التبريزي والعمق. بغض النظر عن الصوفية والاختلافات المذهبية التي واجهتها من خلال قراءتي، إلا أنني لمست الكثير من الواقعية البحته. رأيت بشمس التبريزي الروح التي تدلنا على فعل الصواب، خصوصاً وإن غلّطنا المنطق، ورأيت بجلال الدين الرومي الإنسان المتدين التقليدي. وكان الاندماج بين الاثنين كأنما دلالة لي على أن اتبع روحي وحدسي حتى وإن غالطت فكري.

بعض من أجمل الاقتباسات التي واجهتني:

“مالم نتعلم كيف نحب خلق الله، فلن نستطيع أن نحب حقاً ولن نعرف الله حقاً”

“النموّ الروحي يكمن في وعينا، لابتوجسنا من أمور معينة”

“يجب ألايحول شيء بين نفسك وبين الله، لا أئمة ولاقساوسة ولا أحبار ولا أي وصي آخر على القائمة الأخلاقية أو الدينية”

“إذا كنت تحطم قلوب الآخرين فإن العقيدة التي تعتنقها ليست جيدة”

لكل من يحس بفقدان روحه ويعتقد أنها بدأت تفلت منه، أدعوه لقراءة قواعد العشق الأربعون.

قواعد العشق الأربعون