البنت الاستثنائية

تقلقني كثيراً فكرة التربية، ليس لأنّي أود أن أخلق شخصاً استثنائي، لكن لأنّي أم لبنت، ربما لاترون أي مشكلة في كلمة “أم لِبنت” لكنّى أرى سيناريو مزعج قد يتكرر. لتفهموا ما أقصده هو أنّي كنت بنت، وكنت بنت استثنائية، ذكية، واعية متفوقة، والأهم أنّى كنت سعيدة جداً، وهذا في المرحلة مابين الابتدائية وحتى المتوسطة، كان والديّ يدفعونني للأمام وكأنه لايوجد نهاية للطموح، وكأنّى أقدر على تحقيق كل ما أريد. وكنت أقدر. لكن بمجرد وصولي للثانوية – وفي تلك الفترة المدرسة والاجتهادات تقتصر على الاختبارات والواجبات فلايوجد أنشطة لامنهجية تذكر- وظللت محافظة إلى حد كبير على مستواي العالي، بل أنّي تخرجت من هذه المرحلة بترتيب الـ ١١ على مدارس المملكة، وبنسبة 99.4٪. ولم يقتصر ذلك على الجانب الدراسي، بل أنّي أوجدت أنا وصديقة لي بتلك الفترة معدل التناقص الطولي للإنسان اعتماداً على طول آدم عليه السلام وحتى اليوم باستخدام المتسلسلات الرياضية. وخلال هذه الفترة بذل أهلي كل الجهد الممكن لأصير شخص ناجح، لكنهم كانوا يحملون كغيرهم -ومثلي الآن- بعضاً من تناقضات المجتمع -والتي هي أقل بكثير في ذلك الوقت- وصرت ناجحة. وبرز اسمي في أماكن عدّة، وصرت أقدر على الوصول، لكني لا أملك قرار القدرة. وأصبحت في كل مرة لا أقدر حتى ذبلت قدرتي وذاب بداخلها قرارها. صرت انهزامية، استسلم كثيراً وبسهولة. تخرجت من الجامعة بتقدير جيّد ومع ذلك حصلت على ابتعاث استثنائي نظراً لجهودي اللامنهجية، ومع ذلك رفضته على مضض نظراً لأنه لايوجد من يرافقني، أنا هنا لا ألوم أهلي على عدم تفرغهم لي، لكني ألومهم على أن جعلوني أطمح وأبذل كل الجهد لأكون شخصاً استثنائي في مجتمع لايقبل المرأة الاستثنائية. وأيضاً ألومهم اليوم حين يستشهدون بمن وصلت لأنها فقط أتيحت لها فرصة الوصول. تخرجت بتقدير جيد، وأنا أعلم أنّى كنت أستطيع التخرج بتقدير ممتاز، ولأثبات ذلك، لم يمضي أشهر حتى قدمت على الماجستير وحصلت عليه بتقدير ممتاز، لكن هل توجد أي أهمية لذلك؟

بعد التناقضات العدّة والمحاولات البائسة للطموح علمت كيف أتعايش مع المجتمع، كيف أغير الروتين القاتل في كل مرة، كيف أنّي لن أصل لأعلى من مستوى معيّن مهما بذلت ومهما حدث. وخلال ست سنوات فقط منذ دخولي الجامعة، صرت أملك شهادة بكالريوس، وشهادة ماجستير وسنتين خبرة. وبفضل الله ثم بسبب كل ماسبق صرت ما أنا عليه اليوم، وأنا معجبة جداً بماوصلت له، بالاستقرار العاطفي والعقلي والفكري، لذا أنا سعيدة جداً بكل مامضى، وسأظل، لكن مايقلقني كثيراً، هو أنّي كنت بنتاً لاتملك قرارها، وأصبحت أماً لاتملك قرارها، ولا قرار ابنتها، ومع ذلك تحاول أن تخلق بنتاً استثنائية من جديد. آمل كثيراً أن لا تأمل كثيراً كما كنت أفعل. لأنّى سأموت مرتين لو صارت تقدر وتريد أن تقدر ولكنها لاتملك قرار القدرة. هل اتضح الآن ماذا يعني أن أكون “أم لبنت” ؟

البنت الاستثنائية

فلذات الأكباد

img_2435-2
أميرتي الصغيرة

فلذة بمعجم المعاني تعني قطعة من الشيء، وفلذات الأكباد هم الأولاد، والسؤال الذي تبادر لذهني لماذا ليسوا فلذات القلوب؟ الجواب وجدته بعد بحث يسير ولم يقنعني صراحة، لكن الفكرة في أن البابليون كانوا يعتقدون أن الكبد هو الأساس في الأحاسيس بل ويكشف لهم نوايا الأشخاص، فعندما يذبح أي حيوان قرباناً للآلهة تؤخذ كبده وتشرح للتنبؤ بالغفران من عدمه، وتبعهم بذلك الآشوريون واليونانيون والرومانيون، وهكذا حتى وصل للعرب، فالكبد هو أثمن قطعة في الإنسان. وعند بعض الناس أطعم :p

حفظ الله فلذات أكبادنا، ورزقنا من فضله.

صورة

يامن هواه أعزه وأذلني.

يـا مـن هـَـواهُ أعـزْه وأذلـنـي … كــيف الـسـبـيل الى وصـالـك دلـنـي
تـركـتـني حـيران صـبـاً هـائـمـا … أرعـى النجـوم وأنـت فـي نـوم هـنـيً
عـاهـدتـنـي أن لا تـمـيـل عـن هـوى … وحـلـفـت لـي يـا غـُـصن أن لا تـنـثـنـي
هـب النـسيـم ومـال غـُـصن مـثلـه … أيـنَ الـزمان وأيـن مـا عـاهـدتـنـي
جـاد الـزمـان وأنـت مـا واصـلتـنـي … يا بـاخلاً بالـوصل أنـتَ قتـلـتـنـي
واصـلتـنـي حـتى مـلـكـت حـشـاشـتـي … ورجـعـت مـن بـعــد الـوصال هـجـرتـنـي
لـما مـلـكـت قــيـاد ســـري بالـهــوى … وعـلمـت أنـي عــاشــقٌ لـك خـنـتــنــي
ولأقـعــدنّ عـلى الـطـريـق فـأشـتـكـي … فـي زيّ مـظـلـومٍ وأنــتَ ظـلمـتـنـي
ولأشـكـيـنـك عــنــد سـُـلـطـان الـهــوى … لـيـعــذبـنــك مــثـل مـا عــذبـتـنــي
ولأدعــونَ عـلــيك فـي جـُـنـح الــدُجــى … فـعــسـاك تُـبـلـى مـثــل مـا أبلـيـتـنـي

سعيد بن أحمد بن سعيد البوسعيدي. ثاني الأئمة البوسعيديين الإباضيين في عمان ومسقط. ولي بعد وفاة أبيه (سنة 1196هـ / 1782م) وأقام في الرستاق (مسقط) وكان أديباً، يقول الشعر. وغُنيت هذه الأبيات (بتعديلات بسيطة) بلحن لطيف قريب للقلب.

يامن هواه أعزه وأذلني.

البؤساء

العبقرية الرائعة لفيكتور هيجو، سأبدأ حديثي عنها باقتباس من منير البعلبكي والذي تظل ترجمته مفضلتي منذ كنتُ في السادسة عشر حين قرأتها لأول مرة. ولهذا السبب تحديداً أحب اسم البؤساء أكثر من Les Misérables. الاقتباس:

البؤساء هي رواية اجتماعية قَصَدَ بها هيجو إلى التنبيه التي يرزح تحت عبثها المعذبون في الأرض، باسم النظام حيناً وباسم العدالة حيناً وباسم الأخلاق حيناً، وباسم الشعب دائماً. ورواية تاريخية أرادها معْرَضاً لأفكاره الديموقراطية ونزعاته التحررية، فزينها -على حساب الفن القصصي أحياناً- بلوحات قلمية جسد فيها تاريخ فرنسا في حقبة من أخطر الحقب، لا في حياة ذلك البلد فحسب، بل في حياة أوربا كلها، أعني تلك الحقبة المنسحبة على عهدي نابليون بونابرت ولويس فيليب بما حفلا به من انتفاضات ثورية وانتكاسات رجعية.
إنها بكلمة، نشيد الحرية وانجيل العدالة الاجتماعية، وسيمفونية التقدم البشري، نحو الغاية التي عمل من أجلها المصلحون في جميع العصور: تحقيق إنسانية الإنسان وإقامة المجتمع الأمثل.

هذه المقدمة تغني عن أي إضافة قد أضيفها. البؤساء غنية عن التعريف، في خمس مجلدات مايقارب ٢٣٠٠ صفحة. كتبت خلال١٢ سنة في القرن ١٨ وتحديداًشرح هيجو في كتابتها سنة ١٨٥٠ ولم ينتهي منها الا ١٨٦٢ م. ومع ذلك فلم تترجم للعربية كاملة إلا في الذكرى السبعين لموت هيجو (١٩٥٥). تحكي في موجزها عن سجين أطلق صراحه بعد عقدان من الزمن قضاهما في السجن بسبب قطعة خبز سرقها ليرفضه المجتمع بسبب وثيقة اثباتيه يحملها تخبر من يطلع عليها بكونه مجرم سابق. وهكذا تبدأ الأحداث بلا نهاية لتبين مآسي العالم بمواقف بسيطة وتسلط الضوء على الرغبة البشرية الأنانية والنادمة في آن معاً.

نقلها للشكل المسرحي الذي نراه اليوم الان بوبليل وتم تمثيلها لأول مرة في باريس عام ١٩٨٠ كمسرحية غنائية، بألحان كلود ميشيل شونبيرج. وأيضاً تم ترجمة هذه المسرحية الغنائية إلى العديد من اللغات أولها الانجليزية وقام بترجمتها هربرت كريتزمر بعد خمس سنوات. وعليها بُني الفلم الذي تم إنتاجه مؤخراً عام ٢٠١٢. ويجدر ذكر أنه ليس أول فلم تم إنتاجه، ولكنه الأقرب لي ويعود السبب لظهور المتألقة آن هاثواي. وبالمناسب ذكر بأنه حالياً وحتى تاريخ ٢ ديسمبر يتم عرض المسرحية بنسختها الانجليزية في اوبرا دبي.

البؤساء