سيرة ذاتية

أنا هنا لن أتحدث عن السيرة الذاتية للأشخاص العاديين إن صحّ القول والتي نقدمها لجهات العمل المختلفة للحصول على القبول الوظيفي. ولكنّي سوف أتحدث عن المجلدات التي تكتب باسم الأشخاص المهمين، والتي تكون مفصلة تصف لحظات حياتهم، والتي قد يكتبها البعض خلال حياتهم أو بعد رحيلهم، استثني منهم الرسول الكريم وصحابته، فسيرتهم تدرس وتدرّس ولايكتفى بقراءتها. 

مادعاني للكتابة هو عجزي عن استكمال كتاب “مذكرات فرح بهلوي” والذي عجزت أن أتجاوز بعض المقتطفات التي تم ذكرها إما بتعظيم لاقيمة له أو بغرور يزعج القارئ، على الرغم من أنّي قرأت كتاب “من بلاط الشاه إلى سجون الثورة” وعلى الرغم من التفصيل السياسي الممل الذي ذكر به، إلا أنني أتممت قراءته. لكن في “مذكرات فرح بهلوي” تذكرت “السجينة” فلم يكن هذا الكتاب من مفضلتي إطلاقاً، بل على العكس حاولت مجاهدة ذاتي أن أنهيه لأني كنت في تلك الفترة أتخلص من المعلقات. 

وهذه فترة مختلفة أمر بها، خلال هذه الفترة كل شيء يخص حياتي معلق، لذا فلم أعد أعبأ كثيراً بتعليق الجمادات، وعدم استكمالها، والحقيقة أنّي أعبأ كثيراً، لكني أتظاهر بعدم الاهتمام. لذا فهذه المقدمة الذكية، تعلن أنّي سوف لن أكمل مذكرات فرح بهلوي. 

سيرة ذاتية

التطرف يميت القلب

مَولانا الطّاعِنُ في الجِبْتِ
عادَ لِيُفتي
هَتْكُ نِساءِ الأرضِ حَلالٌ
إلاّ الأَربعَ مِمّا يأتي
أُمّي، أُختي، امرأتي، بنتي
كُلُّ الإرهابِ مُقاومَةٌ
إلاّ إن قادَ إلى مَوتي
نَسْفُ بُيوتِ النّاسِ (جِهادٌ)
إن لَمْ يُنسَفْ مَعَها بَيتي
التقوى عِندي تَتلوّى
ما بينَ البَلوى والبَلوى
حَسَبَ البَخْتِ
إن نَزلَتْ تِلَكَ على غَيري
خَنَقَتْ صَمْتي
وإذا تِلكَ دَنَتْ مِن ظَهْري
زَرعَتْ إعصاراً في صَوْتي
وعلى مَهْوى تِلكَ التّقوى
أَبصُقُ يومَ الجُمعةِ فَتوى
فإذا مَسَّتْ نَعْلَ الأَقوى
أَلحسُها في يومِ السَّبتِ
الوسَطِيَّةُ: فِفْتي .. فِفْتي
أعمالُ الإجرامِ حَرامٌ
وَحَلالٌ
في نَفْسِ الوَقْتِ
هِيَ كُفرٌ إن نَزَلَتْ فَوقي
وَهُدىً إن مَرّتْ مِن تَحتي
هُوَ قد أَفتى
وأنا أُفتي
العلَّةُ في سُوءِ البذْرةِ
العِلّةُ لَيسَتْ في النَّبْتِ
وَالقُبْحُ بِأخْيلَةِ الناحِتِ
لَيسَ القُبحُ بطينِ النَّحتِ

وَالقاتِلُ مَن يَضَعُ الفَتوى
بالقَتْلِ
وَليسَ المُستفتي

وَعَلَيهِ.. سَنَغدو أنعاماً
بَينَ سواطيرِ الأَحكامِ
وَبينَ بَساطيرِ الحُكّامْ
وَسَيكفُرُ حتّى الإسلامْ
إن لَمْ يُلجَمْ هذا المُفتي

على الرغم من تحفظي مؤخراً على الشاعر أحمد مطر، فصرت أراه متطرفاً من الجهة الأخرى، بتّ أتساءل بيني وبين نفسي عن التطرف، فها أنا أشارك مطر رؤيته بهذا المفتي المتطرف، ومازلت أرى مطر بحد ذاته متطرفاً من الجهة المعاكسة، لكن هل يرى هو ذلك؟ 

بعد بحث بسيط عن التطرف، هو من الفعل تطرّفَ، ويعني ابتعد وصار في أطراف الشياء، والتطرف في الأفكار يعني المبالغة والمغالاة السياسية أو الدينية أو الفكرية. وفعل التطرف يخلق العنصرية والطائفية والإرهاب الفكري. والنقطة المهمة في من يوسم بالمتطرف، أنه غالباً لايرى نفسه متطرفاً وإنما يرى نفسه متزناً معتدلاً ومن في أقصى يمينه وأقصى يساره هم المتطرفون. وتحضر الأسئلة:

  1. هل من حقي أن أصنف الآخرين كمتطرفين؟
  2. هل من حقي معاملة الآخرين كمتطرفين؟

بالنسبة للسؤال الأول، أعتقد أن الانسان يفهم العالم بتصنيفه إلى مجموعات مختلفة تجتمع بصفات متشابهة وتحمل اختلافات جوهرية عند مقارنتها بمجموعة أخرى، فمثلاًتصنيف الحيوان والانسان والنبات، ومن ثم تصنيف الحيوانات إلى حيوانات تبيض، وحيوانات تلد .. وهكذا. فأعتقد أن التصنيف يساعد في فهم الانسان لما حوله، لذا لا أعتقد أن هنالك خللاً في تصنيف المتطرفين داخل عقلي، فعندما أسمع فتوى لشيخ يأمر بقتل نفس مؤمنة بدون وجه حق فمن حقي أن أسجل اسمه كمتطرف، وعندما أقرأ لفتاة تترك دينها وتلحد لأنها أجبرت أن تصلي بالمدرسة عندما كانت صغيرة أو أجبرت على لبس العباية، فمن حقي أن أسجلها أيضاً كمتطرفة. 

لكن هل يحق لي أن أتعامل معهما بناء على هذه التصنيفات التي يفترض أنها تسهّل علي فهم المجتمع وليست لكي تعيقني عن التواصل معه؟ بكل تأكيد لا، فلو كان بالإمكان التواصل معهم فلربما كانا أكثر علماً منّي، فلربما أنه عندما أذيعت فتوى الشيخ إعلامياً كانت مقتطعة، وكان السبب حاضراً لديه، لذا فأنا بهذه الحالة أفهم أكثر، ولربما أن هذه الفتاة تعرضت لمشاكل نفسية حقيقية يصعب عليها إعلانها للجميع قامت بنسبها للإسلام وعليه لم تعي الفرق. ولربما لا، وسأعيدهما هنا لتصنيفي السابق. وفي المرة القادمة قد يكون التواصل أقل عمقاً فقط للتأكد من تأثرهما بالوقت. فأحكامي تجاه الآخرين هي تساعدني في التعرف على المجتمع والتصرف تجاهه وتقبل الآخر أو عدم تقبله، ولايجب أن تظهر للمجتمع بدون تروّي. 

هذا التروي يتطلب منّا الانطلاق من نقطة اتزان، ونقطة الاتزان ليس من الضروري أن تكون مطلقة، بل تعني أنك تعلم أنه على يمينك أشخاص أنت على يسارهم وعلى يسارك آخرين أنت على يمينهم. وجودك داخل هذه النقطة يحيي قلبك وينيره، لأنك في كل مرة تختبره في تعامله مع الآخرين، وتختبر مدى الغرور الذي وصلت إليه ليجعلك متقبلاً أو رافضاً للآخرين حتى ولو لم يشاركونك الأفكار. على عكس التطرف الذي يجعلك تتعصب لرأيك ويخفي عنك قلبك، فيميته مع الزمن. 

التطرف يميت القلب

أنا لا أملك أن أختار

فستاني الأبيض النفّاش، لبسته يوم كنّا متجهين لاجتماع عائلي كبير، كنت بالصف الثالث أو الرابع الابتدائي، وكانت أحد الأمور الرائعة التي كبرت معي، هو أنّ أمي اعتادت أن تترك لي حرية الاختيار بكل شيء ولقد نبهتني أنه سوف يصعب علي اللعب بالفستان، لكنّي اخترت أن ألبسه فلم تمنعني. وفعلاً لم يكن اختياراً مناسباً، حتى أنه تمزق كما أذكر، فكان ذلك الاجتماع آخر محطة للفستان. لكن الأمر الايجابي، هو أنّي مازلت أتذكر حتى هذا اليوم متعتي بارتدائه، لذا في كل مرة تطلب ابنتي أن تلبس لبساً محدداً، لا أعارض على الاطلاق، أذكرها فقط بماهو مناسب وأترك لها حرية الاختيار بالنهاية. ولايقتصر ذلك على اللبس، بل يتعداه للأكل وممارسة الألعاب والقنوات المفضلة… 

يكبر الطفل بالعمر وتكثر الاختيارات ويكبر حجمها وأيضاً يحدث أن تتعرض لعوامل ضغط أخرى بسبب المسؤوليات وأمور أخرى، فاختيارات الشاب لا تكون كاختيارات الطفل، ولا تكون كاختيارات الشخص الذي وصل عمر النضج. لكن الوضع بالنسبة للشابة يختلف كما نعلم عن الشاب، فاختيارات الشابة لا تتأثر بالضغوطات وحسب، وإنما لاتنمو بالحجم ذاته فهي تقارب إلى حد ما اختيارات الطفل بتوسع بسيط.

مما أثار كل هذا بداخلي، هو هاشتاق  في تويتر، و كنت قد اعتزلت تويتر لهذه الأسباب تقريباً، فهو لم يعد منصة إيصال صوت كما كان سابقاً، بل أصبح منصة لتصفية الحسابات. ومن وكان رداً على تقرير الـ CNN للثلاث نساء اللاتي تحدثن عن هجرتهن إلى أمريكا، وبالمناسبة استأت كثيراً منه، وكل ما رأيته هو أنهن قمن ببيع هويتهن الحقيقية (والهوية غالباً تتشكل مع الزمن بتجانس بين الدين والوطن والذكريات، والذي تم توضيحه ببداية الفديو أنهن تركن الإسلام، تخلين عن الوطن، وبدأن حياة جديدة بعمر تجاوز عمر تكوين الذات) ومن غير المنطقي أن يكون أثر هدم الذات بهذا الشكل هو الرضا الداخلي خصوصاً بالنسبة لأعمارهن. والمضحك المبكي هو رد البقية بالهاشتاق #i_choose_to_stay، والذي ذكروا من خلال تغريداتهن أنهن يخترن البقاء في السعودية، ولايطمحن للهجرة. لكنهن نسين أنني عندما أصل لمرحلة أن أملك حرية الاختيار، فسوف تحل كافة مشاكلي. لكن المشكلة العظمى هي أنّي لا أملك حق الاختيار. فالقضية هنا ليست أنّي أود أن أهاجر، أو أود أن أبقى. القضية هي أنّي أود أُخيّر لأختار البقاء، وليس أن أبقى لأنّي لا أستطيع إلا البقاء. القضية هنا أني أحتاج إلى حق الاختيار، لأختار البقاء. #iNeedTheRightToChoose_ToStay

أنا لا أملك أن أختار

أنثى استهلاكية

لو تم توجيه هذا الاتهام لي قبل سبع / ست سنوات لكنت استأت جداً لأنّي أرى وبكل ثقة: بأنه يلزم المرأة أن يكون لديها دعماً مادياً كافياً، وحتى يفضّل أن يكون لديها السيولة غير المنقطعة، التي تجعلها قادرة على النجاح وحيدة ولاتحتاج مادياً أن تعتمد على أياً كان، فكنت أستاء كثيراً من النساء الاستهلاكيات، اللاتي يهمهنّ الصرف وتبذير الأموال على أمور تافهة، وكنت أراهنّ تشويهاً للجنس الانثوي الذي هو قادر على الادخار والاستثمار والحفاظ على الأموال. وكانت نظرتي في تكوين ذاتي مادياً مهم جداً بالنسبة لي، ويعني لي الكثير، ولانختلف أن نظرة كثير من مراهقات اليوم مشابهة لحد ما، فالانخراط بالعمل، وتكوين الذات مهم جداً كما يبدو. لكن هل نظرتي اليوم مازالت كما هي؟ 

لتوضيح ذلك، لابد وأن فكر بكافة الجوانب التي تحيط بالمرأة السعودية، من خلال التفكر بوضع الخطط المالية التي تتطلب دراسة لسوق العمل. 

  • بداية هل المرأة السعودية قادرة على رسم خطة مالية بعيدة المدى -وأعني أنها تملك القدرة على اتخاذ القرارات التي تتفق مع خطط خاصة بها- وبتجربة شخصية تتفق مع وضع نسبة عالية من الفتيات، أستطيع الإجابة بـ لا. هي غير قادرة على اتخاذ القرار الذي يخص المكان الذي تعمل فيه، ولا التطور في هذا المكان، ولا حتى الوصول لهذا المكان. 
  • ثانياً، في حال كانت المرأة قادرة على رسم خطة مالية بعيدة المدى، ماهي آلية التصرف بالأموال التي ستدّخرها؟ وأيضاً من تجربة شخصية، لا أعلم ما إن كان بالامكان توسيع نطاقها على الأخريات، نظراً لأنّ غالبية من أعرف لديهم صعوبة بالادخار، وخلال نهاية الشهر أجدهم ينتظرون راتب الشهر القادم، لكنّ مالاحظته مع الوقت، أنني أجمع مبلغاً مالياً ضخماً مقارنة بالأخريات، ولكن نظراً لأن وسائل الاستفادة منه محدودة لي بالشراء والاستهلاك، فإن هذا المبلغ الضخم يضيع سدى، بلا استثمار حقيقي، أو أي فائدة تذكر. فتوصلت أن المرأة السعودية بصعوبة تستفيد من المدخرات في حال لم تكن بحاجة ماسة لها (كسداد قروض أو إعالة أهل أو أبناء أو سداد أجار أو … الخ) فالمرأة السعودية المنتمية للطبقة المتوسطة لاتستطيع بمفردها إطلاقاً الوصول للطبقة الأعلى مهما بلغت مدخراتها. وربما هذا السبب توصلوا إليه الأخريات ممن أعرف، ولهذا السبب تحديداً اتجهوا للاستهلاك ولم يتجهوا للادخار.
  • ثالثاً، ماتتحدث عنه المراهقات اليوم عن العمل وتكوين الذات، برؤيتي القاصرة، هو لايتجاوز الترفيه في مدينة تفتقر للترفيه، فالعمل يعني الانخراط في مجتمع مختلف، سفر واستقلالية مالية يمكن تبذيرها بين المطاعم والبراندز العالمية، ويعني انفتاح ورقي وانعكاس لنظرة المجتمع للمرأة العاملة المستقلة. ولست هنا أنتقد، فنظراً للمعطيات، هو حلم الجميع قبل أن تخترقنا فكرة المشاهير التي أصبحت صارت تسبق تكوين الذات.

بالنظر لهذا التفكر -لاأحبذ تسميته تحليلاً لأنه لايعتمد على مصادر- فسأجيب: نعم تغيرت أفكاري، فلم أعد أؤمن بأنه لابد من توفر السيولة الكافية، لأن هذا إرهاق للذات بدون هدف حقيقي فمسؤوليات المرأة في المجتمع سبق أن حددها الذكر وهو الذي يملك القرار النهائي بخصوصها، ومن خلاله سوف تستطيع الوصول للهدف، ولذا لكي تصل هي، لابد أن تتطابق رؤيتها مع رؤية المسؤول عنها لتستطيع التعايش. وبالمقابل أؤمن أنه لابد وأن يكون لديها المبلغ الادخاري الذي تراه مناسباً لاستمرارية الحياة لأي طارئ. 

ملخص التدوينة: استمتعي صديقتي الأنثى بالاستهلاك، فهو وسيلة ترفيهية مضمونة.

أنثى استهلاكية

مو حزن لكن حزين

قبل سنوات تناقشت مع أحدهم، وكان يُعرف هذا الشخص بنظرته السوداوية للأمور، ومن معتقداته هو أن الحزن أساس الحياة، وأن الفرح طارئ فقط، ودليله بذلك: “لقد خلقنا الإنسان في كبد” والكَبَد، هو الشدة والمشقة والعناء. رؤيتي اختلفت عن رؤيته، فنظرتي للإنسان أنه خليط من مشاعر لايفهمها تتشكل حسب الموقف واللحظة ولايوجد ماهو أساسي أو طارئ والمشقة هي التغير الدائم وعدم الاستقرار. واعتراضي ظهر من منطلق اني أكره النظرة السوداوية لأنها تتلف قيمة الحياة وتجعلها بلا معنى، مجرد انتظار للنهاية.

ولكي نفهم أساس النظرة السوداوية التي تتشكل مع مرور الوقت، ودي تتصورون موظف مجتهد وأمين وحريص، انسان وتصيبه تقلبات، لكن مستوى عمله رائع، هذا الموظف يعلم أنه طوال حياته سيظل بهذه المرتبة، لن يرتقي ولن يتقدم، وسيظل من واجبه أن يؤدي أعماله بحرص، بدون مكافآت ولا ترقيات، مجرد راتبه نهاية الشهر. هو يرى حوله الآخرين تتغير مناصبهم وتتم مكافأتهم على انجازاتهم أو محاسبتهم على تقصيرهم. ويحمل في قلبه ذرة إيمان في أن الوضع قد يتغير يوماً ما. هو أيضاً لديه مسؤوليات أخرى خارج عمله، وفي حال خسر عمله فسوف يخسر كل مايحب. هذا الموظف لايمكنه التقديم على أي وظيفة أخرى ولو فعل فربما سيطرد من وظيفته الحالية وسوف يخسر كل مايحب. مع الوقت سيذبل هذا الموظف، وستنطفئ بقلبه شمعة الإيمان بأن تغييراً قد يحصل، سيتدنى مستواه في العمل، وسيغوص في ذاته، ربما حتى يفقد الإحساس الجميل في كل ماحوله أيضاً. 

طيب ليش تحوّل؟ لأنه صار يسعى بدون الحصول على الانجاز الذي يدفعه للأمام، يسعى بدون وصول. وهذا بالضبط كل ما مرتت به منذ أن صرت أعي النظرة القاصرة تجاه الأنثى والتي تجعلها موظف عليه واجبات وبدون ترقيات، مما ولد لدي نظرة سوداوية صرت أنتظر من خلالها فقداني الإحساس بالحياة. وانتشلت نفسي بصعوبة، وأشعلت من جديد شعلة الإيمان أملاً بالتغيير. وهاهي اليوم تحيط بي من جديد، بعد أن صرت أكبر عمراً، وأقل قدرة على المواجهة. فهل سأظل أعتقد أن الانسان هو خليط من المشاعر؟ أم أن الحزن الذي أصابني هو فطرتي، وأن السعادة التي أبذل مجهوداً للوصول إليها هي الطارئ. 

مو حزن لكن حزين

استغفري لذنبك

استمعت قبل مدة لقصة نبي الله يوسف للدكتور طارق السويدان. نبي الله يوسف هو ابن يعقوب عليهما السلام، والذي لم يكن محبوباً لدى أخوته، فأخذوه ورموه في البئر إلى أن مرّ العزيز (مسؤول الخزينة في مصر) وأخذ يوسف صبياً وولداً. الموضع الذي أثار اهتمامي هنا هو عندما أرادت امرأة العزيز -الذي وصفه الله سبحانه وتعالى بالحكمة- أن تمارس الفاحشة مع نبي الله يوسف، يقول الله تعالى: “يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ” وهذا الخطاب من العزيز لها وليوسف، عندما رآهما سوياً وثبتت براءة يوسف عليه السلام.

صرت أتفكر كثيراً بردة الفعل، وبعد طول تأمّل وجدت أن امرأة العزيز كانت تنوي وصارت تحاول التنفيذ لكنها لم تفلح، فالعزيز لم يتهاون بالحكم عليها، وإنما لم يسقط عليها عقاباً بسبب فعل لم يقع، ونيّتها ورغبتها هو أمر بينها وبين ربها، فأشار لها أن تستغفر لذنبها عسى الله أن يغفر لها، ووجه يوسف بالإعراض عنها فقط فلم يطرده أو يتخلص منه، وكان تعليق الدكتور طارق السويدان، هو أين الشهامة، زوجته همّت بآخر ولم يغضب ولم يتركها تذهب.. وكان تعليقه بأنها حكمة الله. صحيح هي حكمة الله، ولكن أيضاً أراه توجيهاً إلهياً بعدم التسرع بالحكم بدون وجود المعصية، وانما دلائل وقوعها فقط. فلا يجب أن نحكم على النية بالمعصية وحتى إن همّ بها الشخص ولم يرتكبها بعد، يظل شخصاً لم يرتكب مايستحق العقوبة الدنيوية، وماهمّ ونوَى على فعله هو أمر بينه وبين ربه وسوف يحاسبه عليه، وكل مايمكننا قوله هو أن استغفر للذنب الذي اقترفته تجاه خالقك فقط. فلا صلاحية لنا عليه بإسقاط الأحكام أو تنفيذ عقوبة أو ما إلى ذلك. 

استغفري لذنبك

حكم التعدد في الإسلام.

في منهج الفقه المخصص للمرحلة الثانوية قبل مايقارب عشر سنوات، كان أحد المواضيع الفقهية المطروحة هو موضوع تعدد الزوجات في الإسلام: حكمه والحكمة منه والرد على أقوال المستشرقين وغير ذلك من الزوايا لدراسة الموضوع. كنت أذكر تأملي لجوانب الموضوع وأنه أهمل جانب الإحساس السيء الذي ينطوي على أي امرأة يتزوج عليها زوجها، وهذا الإحساس يتحكم به بشر غيرها -زوجها- ولذلك فهو يدخل في مسمى ظلم المرأة، وذلك لأن الظلم هو العمل غير العادل، ولا أرى أنه من العدل أن يتزوج الرجل امرأة أخرى، ولكي أشرح مايدور برأسي بشكل مفصل أكثر لابد وأن نتفق على المسلمات التالية:

  • الإسلام دين رباني كامل متمم لكافة الأديان السابقة، وهذا يعني أن الحكم فيه بالضرورة لايسبب الضرر أو الشر أو  الظلم للآخر.
  • الزواج مصدر من كلمة زَوْج، والزوج هو الصنفان من نوع واحد، فهي باللغة العربية كلمة تطلق على ثنائي مثل: زوج أحذية. وفي محور حديثنا هنا الزوجان هما الذكر والانثى المرتبطان بعقد نكاح يجمع بينهما.
  • الدين علاقة ثنائية بين الفرد وخالقه، والاختلافات في بعض أحكامه وتطبيقها لاتتيح للآخر القدح بهذه العلاقة.

الآن يمكنني عرض وجهة نظري بخصوص مسألة التعدد. في كل زواج بين رجل وأنثى، تنشأ مشاعر حب واحترام بين الطرفين، في بعض الزواجات يكون هذا الحب قد نشأ قبل الاقتران وبعضها بعده من خلال فهم الآخر وحسن المعاشرة، وعلى كل الأحوال هنالك الرغبة الإنسانية في حصر هذه العلاقة بينهما، وفي حال تم توجيه هذا النوع من المشاعر لشخص ثالث -سواء علاقة الرجل بامرأة أخرى أو علاقة المرأة برجل آخر- تكون مؤذية ومزعجة جداً للطرف الثاني، وتصنّف تحت مسمى الخيانة حتى لو تم تغطيتها بغطاء الدين، وهذه الفكرة هي ماجعلتني أرى أن هنالك تناقض غريب في فكرة جواز تعدد الزوجات، وبين إرغام المرأة على التصالح مع الانزعاج الناتج عن مشاركة الزوجة زوجة أخرى مشاعرها تجاه زوجها وتقبل العلاقة، أو طلب الانفصال والذي يترتب عليه غالباً عقبات تواجه المرأة كونها تعيش في مجتمع ذكوري تحت مسمى الدين. أتى إباحة تعدد الزوجات خلال هذه الآية:

“يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ(٣)”
– سورة النساء

وهي الآية التي تم من خلالها تشريع تعدد الزوجات في الإسلام وتم حده بأربع زوجات كحد أقصى، ولكن ماذا عن بداية الآية “وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى”؟
بدأت هذه الآية بأداة شرط جازمة، وفي اللغة يتألف اسلوب الشرط من أداة الشرط وقد تكون جازمة أو غير جازمة، و جملة فعل الشرط، وجملة جواب الشرط. وقوع جملة الجواب وتحققها مشروطٌ  بوقوع جملة الشرط، فإذا تحقق الشرط تحقق الجواب.
وهنا في هذه الآية أداة الشرط الجازمة ( إن )، وجملة فعل الشرط (خفتم ألا تقسطوا في اليتامى)، وجملة جواب الشرط (فانكحوا ماطاب لكم من النساء) وكما سبق أن ذكرنا عن أسلوب الشرط في اللغة تحقق الجواب ( انكحوا ما طاب لكم من النساء) مرتبط بالشرط (خفتم ألا تقسطوا في اليتامى). قرأت بعض التفاسير لمجموعة من المفسرين، وغلب أن يتم ربط جملة فعل الشرط بسبب نزول الآية، ومن ثم يتم تفسير جواب الشرط بشكل منفصل. ولغوياً لايصح ذلك، فكما ذكرت قبلاً أن وقوع جملة الجواب متحقق بشرط جملة الفعل.

بعد البحث وجدت كتاب “الكتاب والقرآن” لمحمد شحرور، ذكر فيه بعض التناقضات في تفسير وفهم بعض الآيات، والذي قرأت أنه لاقى نقداً شديداً نظراً لتفسيره المعاصر للقرآن والذي يتفق مع العصر الحديث ويعارض بعض أفكار العلماء المسلمين الأولين، وبغض النظر عن الكتاب ككل  -فلم أقرأ سوى جزئية تعدد الزوجات- والتي كانت التفسير المرجعي الوحيد الذي ربط بين جملة فعل الشرط وجواب الشرط الذي وجدته. فقد ذكر الدكتور محمد أن في باب الوصايا في الإسلام، اليتيم يطلق على من فقد والده (الأب) ومن لم يبلغ سن الرشد بعد. فتبعاً لتفسيره. فبدأت الآيات بالحديث عن اليتامى استباقاً للآية قبلها، (وإن خفتم آلا تقسطوا) والقسط هنا، يختلف عن العدل، فالقسط يكون لشخص واحد، والعدل يكون بين شخصين، فالقصد هنا توجيه الخطاب للأزواج، في أبناء وبنات زوجاتهن الآرامل. وعاد الخطاب للعدل حين ذكر جواز الزواج من النساء اللاتي لديهن أيتام -واللاتي من المنطق أن يكنّ أرامل بالأولى- (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) وهذا يرجع للعدل بين الأيتام أبناء الأرامل التي تم تحديدهن باثنتان أو ثلاث أو أربع، ولكن إن خاف الزوج من عدم قدرته على العدل بين هؤلاء الأبناء وميله إلى أبناء إحداهن تبعاً لميله لأمهن، فالأجدر له أن يكتفي بواحدة ولا يعدد. من كل هذا نفهم أن الخطاب مخصص لمشروعية الزواج من فئة محددة من النساء وهن الآرامل التي لديهن أبناء أو بنات لم يبلغن سن الرشد وتكون هذه الآيات التي تم من خلالها تشريع التعدد في الإسلام هي تشجيع من الله سبحانه وتعالى للناس، لكفالة اليتيم وإعالته والاهتمام به كما لو كان ابناً له. فهل التعدد جائز شرعاً؟ نعم. هل هو مشروط؟ نعم، مشروط بوجود أيتام كما ذكرت الآية بكل بساطة.

وكما ذكرت، بداية، فالدين هو علاقة ثنائية بينك وبين خالقك، تأمله جيداً ولاتسلم عقلك للآخرين. فالله سوف يحاسبك على أفعالك وليس على ما أفتى لك الآخرون بفعله. الإسلام دين لايظلم، فتذكر أن أي فعل تفعله يوقع الظلم على قلب مسلم خصوصاً لو كان باسم الاسلام والشرع، قد يحاسبك الله عليه في الآخرة.

حكم التعدد في الإسلام.

الحاجة للبقاء

هل فعلاً هنالك حاجة داخل الانسان للبقاء؟ منذ أدركت الحياة وأنا بانتظار أن أرحل، كل متعتي لحظية، وكل يوم يمر، صار يذكرني بأنّي لا أنتمي، كل يوم صار يقلل رغبتي بالبقاء، هنالك الكثير جداً من الأمور التي تزرع في روحي البهجة، والتي أخجل من الاعتراف بها، كأن أرسم، أو استمع إلى صوت شجي حتى وإن لم أكن أفهم أية كلمة، من أجمل الأوقات التي قضيتها في دبي كان قبل ثلاث سنوات كنت وحدي أتفرج السينما التجريبية في الهواء الطلق وكان العرض لفلم the butler ، في وقت مشابه لهذا الوقت. ومثله قبل أسابيع قليلة في الرياض، عرض بيتشا كوتشا الذي تم تخصيصه عن الموسيقى. أعتقد أن أفضل اللحظات هي التي أنفصل فيها عن تقييم ذاتي وانتقاد الآخرين، هي التي أستلذ بها بالسعادة الحقيقية.

كما يعرف الجميع، في الرياض تقتصر وسائل الترفيه المتاحة طوال السنة على الأكل، هنالك المعارض والفعاليات الفنية والأمور التي تستهويني، لكنها لاتكون متاحة دوماً. أن تعيش في الرياض يعني أن تعيش في سجن كبير، وهذا السجن إما أن يكون بيتك في حال كنت تكره زحمة المواصلات (فلامجال للمشي اطلاقاً) أو يكون بيتك بالاضافة لعدد من البيوت الصديقة. والمشكلة في المدينة لاترجع فقط للجمادات، حتى الأشخاص تراهم يتصرفون بشخصيات مختلفة عن تصرفاتهم خارج الرياض. غالباً ما يكونون حقيقيين أكثر. وليس تصرفاتهم فقط بل لديهم القدرة على تعديل الآلية التي يتم فيها بناء أفكارهم، فبمجرد دخول الرياض، حتى يتحول كل شخص للوصي المسؤول عن الآخر الذي يرى أنه له الحق أن يقرر ويتصرف وينتقد أدق التفاصيل للآخرين، فالعازب لابد أن يتزوج والمتزوجة لابد أن تنجب والأم لابد أن تشكل فريق كرة من الأبناء، ومن لايعمل لابد أن يعمل ومن يعمل لابد أن يجد عملا أفضل. فلامجال للشخص للتفكر في حياته، طريقه مرسوم بين أيدي الآخرين، فمثلاً مما واجهته كثيرً خلال تربيتي لابنتي ذات الثلاث سنوات، هو انتقاد العديد من الأوصياء لي حين أسمح لها بتناول الشبس أو الحلويات الملونة ادعاء أنه أكل غير صحي أو نظيف أو….الخ . وبالمقابل، نجدهم يستمتعون بل ويفخرون حتى بزياراتهم لمطاعمهم المفضلة في حين يعلمون انعدام مستوى النظافة في مدينة الرياض مقارنة بغيرها من المدن! حتى أني بنفسي وجدت شعراً في أكلٍ طلبته من مطعم Eataly المفتتح مؤخراً. فأين مستوى الصحة والنظافة؟ أم أنه معيار يتم تخصيصه حسب الاحتياج؟ هذا كله بالإضافة لتحاملي على هذه المدينة الكريهة وماتحمله من نفاق وحياة مبتذلة، سطحية وكريهة لأبعد الحدود.

أشعر فعلاً بالتعاسة، وحتى مع سخافة الأسباب التي تشعرني بالتعاسة، إلا أنّي لم أستطع الخروج منها. بل إنّي أراها تلتهمني يوماً بعد يوم، فقد بدأ كل هذا بالصدمة، ثم محاولة التغيير، ومحاولة التعايش، وأخيراً اليوم انتظار الرحيل، لا أنكر تخلل ذلك كله لحظات سعادة لاتطول، وماتلبث أن تقتل بكلمة أو عبارة أو حتى تصرف. فأين حاجة البقاء في كل ذاك؟

الحاجة للبقاء