قرار منع التحدث بالعربية

في أواخر يوليو من عام 1500 م ذهبت الملكة إيزابيلا إلى غرناطة لمتابعة عمليات التنصير والإشراف عليها. ووقعت الدولة مع جميع قرى ومدن مملكة غرناطة مراسيم تجبر الأهالي فيها على التنصير مقابل معاملتهم ماليَّا مثل معاملة النصارى القدامى وفي نفس هذه المواثيق يمنع النصارى الجدد من ذبح الحيوانات على الطريقة الإسلامية ومن أن يلبس رجالهم أو نساؤهم اللباس الإسلامي، وأجبروا على تغيير أسمائهم الإسلامية وحتى تقاليدهم وعاداتهم بعادات وتقاليد نصرانية. ولم تنته سنة 1500 م حتى عم التنصير جميع أنحاء مملكة غرناطة القديمة من رندة إلى المرية مرورًا بوادي آش وبسطة والبشرات. وتتابعت في نفس السنة المراسيم بمنع استعمال اللغة العربية. وصدر قرار في سبتمبر يمنع”المتنصرين الجدد” من حمل السلاح وامتلاكه، وينص على معاقبة المخالفين لأول مرة بالحبس والمصادرة ولثاني مرة بالإعدام.

تم الحكم بالإعدام لمن يكرر المخالفة، وتضمن هذه المخالفات الحديث باللغة العربية! 

-١-

حين تحمل قطعة فنية هُوية عربية، أكثر من الأشخاص. خلال شهر اكتوبر شاهدت بنت سعودية تحاور بنت سعودية تخبرها عن أعمالها الفنية المستمدة من التراث العربي/ السعودي، باللغة الانجليزية، ولكي يكون الحديث لطيفاً تضيف عدداً من الكلمات العربية، مثل: يعني، شي زي كذا. لست ضد استخدام اللغة الانجليزية في بعض المصطلحات التي تم دراستها خلال التخصص العلمي والتي قد يختلف معناها بالترجمة بسبب عدم اعتماد كلمات مرادفة، لكني ضد أن يتم “التواصل” معي بلغة لا أعتبرها سوى وسيلة اتصال مع من لايستطيع الحديث بالعربية.
-٢-

قبل شهر كنت أبحث عن مدرسة رياض أطفال تناسب ابنتي ذات الثلاث سنوات بدون أي معايير دقيقة، وبعد فرز عدد ١٥ روضة في الحي الذي أسكنه والأحياء القريبة، بدأت التواصل معهم، والنتيجة واحدة كانت حكومية رفضت قبولها بسبب الازدحام ولم نتطرق للمناهج، واحدة ذكرت اعتمادها على القاعدة النورانية بالتعليم، وهي دورة تدريبية لتعليم اللغة العربية بالتدريج للأطفال مابين ٣-٧ سنوات وربطها بالطريقة الصحيحة لقراءة القرآن بالتجويد الصحيح. والبقية كانوا يفخرون بتعليم الطفل اللغة الانجليزية، بل حتى أن الغالب منهم معتمدين مناهجهم المتبقية باللغة الانجليزية. 

وأعود بالذاكرة إلى سبع سنوات للخلف، في الوقت الذي ناقشت فيه خالي (مدرس للمرحلة الابتدائية) والذي كان يرفض رفضاً تاماً إدخال اللغة الانجليزية على الصفوف الدنيا، ويبرر ذلك بصعوبة الاستقرار اللغوي الذي سيصاب به الطفل خلال المراحل الأولى من دراسته، ولا أعلم ما إذا كان رأيه مبنياً على أسس علمية أو مجرد ملاحظة للطلاب،   فكنت أعارضه بشدة، وذلك لأنّي كنت أرى الشخص يتقدم ويتأخر بناء على انفتاحه وتواصله مع العالم، ولم أزل أؤمن بذلك، لكن الذي تغير بالنسبة لي هو ترتيب الأولويات، فبتّ أفهم اليوم أن اكتساب لغة العصر لايجب أن يطغى على لغة الهُوية التي مع أمور أخرى تشكل شخصك وماضيك ومستقبلك.

-٣-

قبل عدة أشهر وفي دبي، كان الوقت يصادف مهرجانات الصيف في أرجاء الإمارات، وكانت من اللفتات اللطيفة، انتشار ألعاب تناب عمر ابنتي في ساحات الأسواق التجارية، فكنت أجالسها وتلعب هي مع غيرها من الأطفال، لكن الحوار كان عسيراً جداً عليها، فالجميع يتحدث الانجليزية. واليوم تكرر المشهد مجدداً، في الرياض، بأحد المعارض المؤقتة التي تستهدف أنشطة الأطفال، فكان الجميع يحاورونها بالانجليزية وهي لاتعي مايقولون، فكل المفردات التي تعرفها هي: door, let’s go, friends, book, apple, وغيرها من الكلمات البدائية جداً والتي تتناسب مع عمرها، وفي المقابل هي تحمل حصيلة لغوية من الكلمات الفصيحة مايتجاوز معرفتي حتى! تجاوز الوضع الآن التفكر بالهوية، والاستياء من الانسلاخ من اللغة إلى محاولة التوصل إلى قرار. هل سيسيء لها ذلك مستقبلاً؟ أنا مازلت مؤمنة أنه لابد وأن يكون للإنسان لغتة أم، أو مايعرف بالـ Native Language، وباعتقادي هي ليست لغة البلد، وإنما اللغة التي يكتسبها الطفل بشكل أساسي حتى عمر ٧-١٠ سنوات، بعدها أي لغة تضاف عليه يعتبرها عقله ثقافة عامة وليست لغة أساسية. 

-٤-

أيضاً اليوم، أم-أم هي أخت لم انتبه- تشابهني تماماً بالزي والحديث والكلام، تحاورنا قليلاً حيث كنا نجلس جوار بعضنا البعض، إلى أن أتى طفلها، حتى أصبح يبكي ويعبر عن ألمه الذي أصابه بعد أن سقط، وحديثه كان بالانجليزية العامية حتى! وفوجئت كيف أنها تحاوره بالانجليزية. لم أتدخل ولم أنتقد تصرفاتها ومازلت أحاول ألا أحكم عليها، لكن ماحدث هو أنّي فوجئت! كيف تنشئ شخصاً لايستطيع أن يعي مجتمعه، عندها صُدمت من أفكاري، فلربما أنا التي أنشيء طفلة لن تعي مجتمعها. محزن جداً ماوصلت إليه، استأت كثيراً، حتى أنني أردت حقاً الهروب من المكان. فأنا لم أعد أتشارك مع هذا المجتمع حتى لغته. تذكرت القشتالة، والموريسكيين المضطهدين في غرناطة، تذكرت محاولتهم على التمسك بالعربية رغب منعها والحكم بالإعدام على من تتكرر مخالفته ويتحدث بها. 

مالذي حدث لنا؟ لمَ انسلخنا من أنفسنا؟ لمَ صرنا استنساخات مشوهة لاتحمل أي روح، وليس لها أي هوية؟ لست ضد الانسلاخ، لكنّي ضد التشوه. لا ألقي اللوم على كل من تخلى وهاجر إلى عالم آخر وتعلم موروثاته ولغاته وأصبح جزءاً من كيانه، لكني ألوم كل أم تربي أبناءها على التجرد، ألومها على أن جعلتني أفكر في أن ابنتي قد لاتندمج في المجتمع الذي هي كما هي أحد أسسه المتينة. 

كان مثيراً للعجب مايتحول له مجتمعنا، وبات اليوم محزناً

قرار منع التحدث بالعربية

أتعلمين أي حزن يبعث المطر؟

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ ،
أو شُرفتان راح ينأى عنهما القمر .
عيناك حين تبسمان تورق الكرومْ
وترقص الأضواء … كالأقمار في نهَرْ
يرجّه المجذاف وهْناً ساعة السَّحَر
كأنما تنبض في غوريهما ، النّجومْ …
وتغرقان في ضبابٍ من أسىً شفيفْ
كالبحر سرَّح اليدين فوقه المساء ،
دفء الشتاء فيه وارتعاشة الخريف ،
والموت ، والميلاد ، والظلام ، والضياء ؛
فتستفيق ملء روحي ، رعشة البكاء
ونشوةٌ وحشيَّةٌ تعانق السماء
كنشوة الطفل إِذا خاف من القمر !
كأن أقواس السحاب تشرب الغيومْ
وقطرةً فقطرةً تذوب في المطر ..

– بدر شاكر السيّاب

أتعلمين أي حزن يبعث المطر؟

مراجعة لعام ٢٠١٦

في نهاية ٢٠١٥ كنت قد وضعت بعض الأهداف للسنة الجديدة -التي شارفت الآن على الانتهاء – وأشارككم مراجعتي لأهدافي وما تم منها.

  1. الاستمرار بدون مواقع تواصل تفاعلية.
  2. استمرار التدوين الرسومي.
  3. قراءة ١١ كتاب.
  4. الانطلاق في عالم الـ motion graphics.
  5. إنتاج خطوط عربية.
  6. ركوب المنطاد.

الهدف الأول تم بنسبة عالية جداً، وصراحةً خلال تنفيذه لم أكن أحاول الوصول للهدف بقدر ماكنت أحاول تغيير نمط الحياة الممتلئ الذي أعيشه، فكانت الفكرة الأساسية هي الحياة البسيطة، فعلى نطاق الآيفون، قمت بحذف كل برنامج يقدم لي خدمات متكررة، قمت بإلغاء كل خدمة تنمّي بداخلي التفكر بحياة الآخرين، ونتيجة لذلك استبدلت السناب تشات باليوتيوب، فكلاهما محتوى فديو، الأول يصعب فيه الانتقاء، والمتابعة فيه للأشخاص والثاني للمواضيع، ففضلت الارتباط بالمواضيع على الأشخاص، والأهم فضلت التصفح وقت الفراغ فضلاًعن التصفح اليومي، وبالمقابل قررت حذف حساب تويتر، واستبدله ببرنامج متابعة المدونات (القارئ) ولاحظت استعادتي للقراءة بدون أن أمل بمجرد وصولي للسطر الثالث وتشتتي، إضافة أن تويتر بات مشحوناً بطاقة سلبية مزعجة جداً ولابد وأن تؤثر سلباً على الشخص، الأهم أنّي استطعت التخلص من الارتباط الأساسي من خلال تفضيل الآي مسج (الرسائل القصيرة) على الوتز آب، وهذا القرار جعلني أخسر بعضاً من التواصل المباشر مع كثير من أفراد عائلتي والأصدقاء، لكنه جعلني أكثر رغبة بالتواصل الحقيقي معهم ولقياهم، أكثر دهشة بسواليفهم عند تبادل السوالف.

الهدف الثاني لم يبدأ ولذا فأعتقد أنه سيؤجل للسنة القادمة بإذن الله،  وبالمقابل مارست التدوين الكتابي، وهذا مالم أتوقعه على الإطلاق، خصوصاً وأنّي كنت أراني سيئة جداً مع الفصحى لكن يبدو أننا تصالحنا أخيراً.

بالنسبة للكتب، فقد قرأت عدّة روايات، مثل: قواعد العشق الأربعون، إعادة قراءة ثلاثية غرناطة، حليب أسود، من بلاط الشاه إلى سجون الثورة، عائد إلى حيفا، رجال في الشمس، ماتبقى لكم، وبيريرا يدّعي، وحالياً لم أنتهي من: مذكرات فرح بلهوي، اسمي أحمر، في صالون العقاد كانت لنا أيام، وقصر الحلوى. فأستطيع القول أنّى في الاتجاه السليم وإن لم أحقق الهدف، فالإنجاز هو أني استطعت أن أجعل برنامج الآي بوك من برامج الشريط الثابت بالجوال.

وللهدف الرابع أتممت ٤ فديوات بسيطة بمجملها لكني لم أر بهذا المجال ما يجذبني. أما الهدفين ٥، ٦ فستكون مؤجلة للسنة القادمة بإذنه تعالى.

وبهذا أكون قد ارتبطت بمجموعة من الأهداف التي آمل أن أحققها للسنة القادمة، وسأكتفي بالتدوين اليومي الفني، إنتاج خطوط عربية، تعلم الموسيقى وقراءة ١٢ كتاباً  ومشاهدة ٥٢ فلماً. 

مراجعة لعام ٢٠١٦

بكالريوس تقنية معلومات

تخرجت من المرحلة الثانوية أيام اختبارات الوزارة، عام ٢٠٠٤، وخلال تلك الفترة وعندما حصلت على شهادتي، كنت إلى حدّ ما لا أعرف تحديداً ماهو القسم الذي أود استكمال دراستي فيه، كنت أحب كثيراً ألعاب البلاي ستيشن، وأذكر في أحد الرمضانات التي صادفت إجازة الصيف، أو ربما هي كانت إجازة العيد، لكنّي أذكر أنّي كنت ألعب “سايلنت هيل” وبشكل متواصل من السحور إلى السحور وكنت أستريح قليلاً وقت الصلوات وأخذت استراحة طويلة نوعاً ما خلال وقت الفطور، والمفاجأة أنّي لم أنم خلال ذلك اليوم، ولم ألحظ ذلك إلا عندما دخلت أختي غرفتي تخبرني بموعد السحور لليوم التالي! واليوم أتفهم كثيراً استياء أبي تلك الليلة، ومن هنا، أود أن أعتذر لأبي وأمي، إدماني على اللعب بدون انتباه للمضار التي قد يتسبب بها والتي -اليوم بعد أن أصبحت أماً- صرت أعيها وأنتبه لها. ومن خلال اهتمامي المتزايد بالألعاب الالكترونية، كنت أنجذب كثيراً للالكترونيات بشكل عام، وكان تخصص تقنية المعلومات في أول القائمة، ويجاوره أو يليه تخصص التربية الفنية، فخلال السنة الأخيرة في المرحلة الثانوية، صرت أهتم كثيراً وبشكل مفاجئ بالفنون، أحببت الرسم ودمج الألوان، في الوقت الذي لم أكن أفهم فيه أي شي عن العلوم الفنيّة، وكان هنالك بداخلي قلب صغير يعشق الفن، ويود أن أعتني به، ولكن لأن النسبة العامة التي حصلت عليها كانت عالية، فكان من المتوقع أن لا أفكر بالتربية الفنية. ونظراً لأنّ والدي كان يتمنى أن أكون طبيبة أسنان، كنت قد أدخلت تخصص الطب بالمقارنة. ولم أندم يوماً على اختياري النهائي، التخصص الذي وبشكل كبير علمني طريقة فرز البيانات وتحليلها وتحويلها إلى أمور ذات فائدة، التخصص الذي استفدت منه اليوم انجاز أعمالي بأقل تكلفة ممكنة، لكن محور حديثي هنا، هو أنّي كنت وقتها لا أفكر بالمستقبل وإنما أفكر في تلك الأيام التي كنت تعلقت بها بما كان وقتها في بداياته (الانترنت) وكنت أحاول أن أجعله أمراً ذا قيمة وليس مجرد رفاهية قد تنقطع يوماً. كنت أحاول أن أثبت أنّي أستحقه. 

وهذا ماأنا عليه اليوم، في كل مرة وفي كل لحظة أحاول اثبات استحقاقي لأمر ما بتدليس حقيقة أنّي فقط أستمتع، وإنما أحاول ربطه بأمر يجعله ذا قيمة عالية لأثبت ضروريته. في عالم اختلفت فيه الموازين القديمة، واختلفت فيه الأولويات بتسارع عجيب، وأصبحت الرفاهية ضرورة، مازلت أربط رفاهيتي بالأولويات لأستحقها. تعبت كثيراً من محاولة إثبات ذاتي، ولا أعلم حقيقة هل أنا أحاول التنافس مع الماضي أم مع الآخرين. لكنّي اليوم وعيت أنّ الحصول على هذا الحق ليس ممتع بالقدر كنت أعتقد، وأن تهميشي لمصدر الساعدة الحقيقي بداخلي يجعلني تلقائياً أهمّش سعادتي بيدي. وببساطة سأكف عن هذه المعمعة الذاتية، وسأظهر تجاه ذاتي أولاً بصدق، أملاً أن ينعكس على روحي.

بكالريوس تقنية معلومات

غصن الزيتون

في كل مكان في العالم هنالك العديد من العلامات التي نستخدمها أو نستدل بها، أو حتى نعرف معانيها ونحن لانعرف القصة خلفها، وهذا يدخل كثيراً في المجال الذي أعمل به حالياً، وهو التصميم الجرافيكي، فلكل عمل دلالة ولابد لكل دلالة قصة تقبع خلفها. من خلال سلسلة قصص الأنبياء، كنت أستمع لقصة نبي الله نوح عليه السلام، ولفت انتباهي الاستدلال بالحمامة للعودة لإعمار الأرض. فبعد أن أغرق الله قومه الذين كفروا بالله، ونجّى نوح ومن آمن معه بالسفينة، وعندما انتهى الطوفان، أرسل نوح عليه السلام غراباً ليستدل به على جفاف الأرض، ولكن الغراب لم يعد، وبعده أرسل حمامة، وعادت الحمامة ولم يكن برجلها شيء، فعرف عليه السلام أن الأرض لم تجف، وبعد سبعة أيام أرسلها من جديد لتعود وفي منقارها غصن زيتون، فعرف أن الأرض لم تجف بعد، فأرسلها بعد سبعة أيام، فعادت وفي قدميها آثار الطين، فعلم أن الحمامة استقرت على الأرض، وأخرج من معه من السفينة ليعمروا الأرض.

ومن هنا جاءت علامة الحمامة وغصن الزيتون كدلالة للسلام العالمي.

غصن الزيتون

قصص الأنبياء

منذ مدة وأنا أقرأ عن هيكل سليمان، وأغلب اللي كنت أقرأ كانت روايات من مصادر غير موثوقة، وكنت أجبر نفسي أقرأها وأنا مشككة فيها، وقبل فترة بسيطة صرت أتساءل عن نبي الله سليمان وعلاقته ببني اسرائيل، ومن وقتها قررت أبحث في قَصَص الأنبياء، وهي تنطق بفتح القاف وذلك للدلالة على الخبر والرواية المبنية على وقائع، إلى جانب القِصص بكسر القاف والتي تعني الحكاية التي قد تكون مبنية على واقع أو خيال، وأفضل ماوجدت كانت محاضرات سماعية للدكتور طارق السويدان. 

السلسلة عميقة جداً، فهمت منها آيات ماكنت فاهمتها بشكل جيد، عرفت كيف يكون القرآن دليل حياة، وعرفت كيف يكون الدين هداية، وكيف تكون الهداية نعمة. 

سأسجّل -في هذا التصنيف- كل مااستوقفني، وسأبدأ من قصة بداية الخلق. فيقول سبحانه وتعالى:”هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ” فكما يذكر د.طارق أنه عندما خلق الله آدم عليه السلام جعله وحيداً في الجنة، وبعد مدة صار قلقاً، استوحش وظهرت عليه الوحدة والحزن، فخلق الله منه حواء، وسميت حوّاء لأنها خلقت من آدم وهو حيّ.  خلقها الله لحاجة آدم بالأنس، لأن الإنسان لايستطيع أن يعيش وحيداً، ولماذا خلقها أنثى؟ فقال الله تعالى: “ليسكن إليها” وليس ليسكن معها، لأن الأنثى هي السَكَنٌ، هي راحة واطمئنان. 

من الترسبات الخاطئة في داخلي، هو أن المرأة خلقت من ضلع أعوج من الرجل، ولذا هي متخبطة وغير مستقرة، والهرمونات دايماً تخليها متلخبطة، وهذا يتفق مع فكرة أنها ناقصة عقل ودين. ولكنه لايتفق مع كلام الله، في خلقه لحواء، كيف يخلقها عوجاء من ضلع أعوج وتكون سكناً لآدم؟ فالحقيقة الواضحة أن الأنثى خُلِقت سَكَنَاً ومستقراً، والسكن لغوياً هو السكون والطمأنينة والراحة، وسكن إليه تعني استأنس به واستراح إليه، وهي تختلف عن معنى “سكن في” ويعني استوطن وأقام، والتي تشير للبيت مثلاً أو المكان. 

طوال حياتي كنت أعلم أن هنالك خلل ما في فهمي للدين، أعلم أنه عظيم جداً وأطلب -ومازلت- من ربّي هدايتي ليريني هذه العظمة، أعلم الآن أن هنالك تفاهات شوهته وجعلته ذكوري مجحف بحق النساء، أعلم في قرارة نفسي أن دين الله لايظلم، لكنّي كأنثى لطالما أحسست أنّي مؤمنة درجة ثانية، وأنّي لم أخلق لعبادة الله، وحتى أنّي في فترة من فترات نضجي صرت أعتقد أن المرأة لن يحاسبها الله، لأنها ليست سوى مكافأة للرجل في الجنة. هذه الذكورية التي شوّهت الدين هي ترسبات وموروثات اجتماعية ألوم عليها رجال الدين أولاً، وكل الرجال ثانياً، وأنفسنا الاتكالية ثالثاً. 

قصص الأنبياء

المال والبنون زينة الحياة الدنيا

مؤخراً صايرة تشغلني الآية: “الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا” ليش  ربي خص المال والبنون، مع انه كثير من اللي يملكون أطنان المال لايحسون بالسعادة، وكثير من اللي أطفالهم يملؤن البيت أيضاً لايحسون بالسعادة؟ هل هم استثناءات وهم ماعرفوا يقدرون نعمة الله عليهم؟ هل زيادة النعمة نقمة على صاحبها؟ كل هالاسئلة تناسب تكون أجوبة لكنها أبداً ماكانت مقنعة عندي،  بالمقابل كنت أقرأ لصديقة لي كلام عن السعادة اللي تغمرها لما تحس بالانجاز، وكيف ان الانجاز يحقق لها السعادة مع انها تتعب عشان توصله، وهنا حسيت كلامها ينطبق على الجميع، كل البشر يسعدون بإنجازاتهم، وبديت أربط الانجاز بالآية السابقة، الانجاز متى يكون ووين؟ غالباً هو يرتبط بالعلم وبالعمل، كل مازاد علم الشخص كل مازاد احساسه بالانجاز وصار يبذل مجهود اعلى للوصول لدرجات متقدمة، وأيضاً يصير يبذل الجهد لنشر هذا العلم، ونفس الشي العمل، كل ما زاد الجهد المبذول ولقى الشخص مقابل لهذا الجهد كل ماصار يحس بالانجاز ويحاول يبذل المزيد ويتطور أكثر ويقدم أكثر.

هذا شلون يرتبط بالاية؟ الرابط هو ان المال نتيجة العمل، وان البنون نتيجة التربية والتعليم، بالتالي فعلياً بذل الجهد لأجل الحصول على المال هو زينة الحياة وهو الشي اللي يخلينا نسعى في الدنيا، وليس  المال بحد ذاته زي ماكنت فاهمة قبل. وأيضاً تربية الأطفال وتعليمهم ونقل المعرفة واللي يسبقه الحصول عليها للتوجيه الصحيح وتربية النفس هو زينة الحياة الدنيا وليس الانجاب وكثر الاطفال! 

وهذا الفهم يتفق مع نهاية الآية في قول الله: “والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً” والذي يعني أن العمل الصالح اللي فيه استثمار للاخرة ومب بس للدنيا هو اللي يفترض أن يتأمل المؤمن تحصيله. 

المال والبنون زينة الحياة الدنيا

البنت الاستثنائية

تقلقني كثيراً فكرة التربية، ليس لأنّي أود أن أخلق شخصاً استثنائي، لكن لأنّي أم لبنت، ربما لاترون أي مشكلة في كلمة “أم لِبنت” لكنّى أرى سيناريو مزعج قد يتكرر. لتفهموا ما أقصده هو أنّي كنت بنت، وكنت بنت استثنائية، ذكية، واعية متفوقة، والأهم أنّى كنت سعيدة جداً، وهذا في المرحلة مابين الابتدائية وحتى المتوسطة، كان والديّ يدفعونني للأمام وكأنه لايوجد نهاية للطموح، وكأنّى أقدر على تحقيق كل ما أريد. وكنت أقدر. لكن بمجرد وصولي للثانوية – وفي تلك الفترة المدرسة والاجتهادات تقتصر على الاختبارات والواجبات فلايوجد أنشطة لامنهجية تذكر- وظللت محافظة إلى حد كبير على مستواي العالي، بل أنّي تخرجت من هذه المرحلة بترتيب الـ ١١ على مدارس المملكة، وبنسبة 99.4٪. ولم يقتصر ذلك على الجانب الدراسي، بل أنّي أوجدت أنا وصديقة لي بتلك الفترة معدل التناقص الطولي للإنسان اعتماداً على طول آدم عليه السلام وحتى اليوم باستخدام المتسلسلات الرياضية. وخلال هذه الفترة بذل أهلي كل الجهد الممكن لأصير شخص ناجح، لكنهم كانوا يحملون كغيرهم -ومثلي الآن- بعضاً من تناقضات المجتمع -والتي هي أقل بكثير في ذلك الوقت- وصرت ناجحة. وبرز اسمي في أماكن عدّة، وصرت أقدر على الوصول، لكني لا أملك قرار القدرة. وأصبحت في كل مرة لا أقدر حتى ذبلت قدرتي وذاب بداخلها قرارها. صرت انهزامية، استسلم كثيراً وبسهولة. تخرجت من الجامعة بتقدير جيّد ومع ذلك حصلت على ابتعاث استثنائي نظراً لجهودي اللامنهجية، ومع ذلك رفضته على مضض نظراً لأنه لايوجد من يرافقني، أنا هنا لا ألوم أهلي على عدم تفرغهم لي، لكني ألومهم على أن جعلوني أطمح وأبذل كل الجهد لأكون شخصاً استثنائي في مجتمع لايقبل المرأة الاستثنائية. وأيضاً ألومهم اليوم حين يستشهدون بمن وصلت لأنها فقط أتيحت لها فرصة الوصول. تخرجت بتقدير جيد، وأنا أعلم أنّى كنت أستطيع التخرج بتقدير ممتاز، ولأثبات ذلك، لم يمضي أشهر حتى قدمت على الماجستير وحصلت عليه بتقدير ممتاز، لكن هل توجد أي أهمية لذلك؟

بعد التناقضات العدّة والمحاولات البائسة للطموح علمت كيف أتعايش مع المجتمع، كيف أغير الروتين القاتل في كل مرة، كيف أنّي لن أصل لأعلى من مستوى معيّن مهما بذلت ومهما حدث. وخلال ست سنوات فقط منذ دخولي الجامعة، صرت أملك شهادة بكالريوس، وشهادة ماجستير وسنتين خبرة. وبفضل الله ثم بسبب كل ماسبق صرت ما أنا عليه اليوم، وأنا معجبة جداً بماوصلت له، بالاستقرار العاطفي والعقلي والفكري، لذا أنا سعيدة جداً بكل مامضى، وسأظل، لكن مايقلقني كثيراً، هو أنّي كنت بنتاً لاتملك قرارها، وأصبحت أماً لاتملك قرارها، ولا قرار ابنتها، ومع ذلك تحاول أن تخلق بنتاً استثنائية من جديد. آمل كثيراً أن لا تأمل كثيراً كما كنت أفعل. لأنّى سأموت مرتين لو صارت تقدر وتريد أن تقدر ولكنها لاتملك قرار القدرة. هل اتضح الآن ماذا يعني أن أكون “أم لبنت” ؟

البنت الاستثنائية

فلذات الأكباد

img_2435-2
أميرتي الصغيرة

فلذة بمعجم المعاني تعني قطعة من الشيء، وفلذات الأكباد هم الأولاد، والسؤال الذي تبادر لذهني لماذا ليسوا فلذات القلوب؟ الجواب وجدته بعد بحث يسير ولم يقنعني صراحة، لكن الفكرة في أن البابليون كانوا يعتقدون أن الكبد هو الأساس في الأحاسيس بل ويكشف لهم نوايا الأشخاص، فعندما يذبح أي حيوان قرباناً للآلهة تؤخذ كبده وتشرح للتنبؤ بالغفران من عدمه، وتبعهم بذلك الآشوريون واليونانيون والرومانيون، وهكذا حتى وصل للعرب، فالكبد هو أثمن قطعة في الإنسان. وعند بعض الناس أطعم :p

حفظ الله فلذات أكبادنا، ورزقنا من فضله.

صورة